"الخط الأصفر" هل يرسم ملامح غزة المستقبل
محمد حسين- سوريا
العقلية الإسرائيلية قديماً وحديثاً تقوم على بناء أحزمة أمنية في عمق المناطق التي تشكل خطراً أمنياً على أمنها القومي، ( جنوب لبنان، غزة، الضفة وأحزمة الاستيطان وجدار الفصل العنصري، سيناء، جنوب سورية) هذه الأحزمة على المدى البعيد تريد إسرائيل من خلالها تكريس احتلالها أو إدارتها أمنياّ.
ما زالت غزة اليوم ساحة مواجهة تحاول إسرائيل صياغة واقعها على نحو جديد، إعادة هندستها، ترسم ملامحها عبر ما بات يُعرف بـ "الخط الأصفر"، هذا الحد الأمني، يرسم بوضوح حدود السيطرة والحركة والحياة.
فالخط الأصفر هو منطقة عازلة أقامها جيش الاحتلال على طول قطاع غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، وتعد اليوم أحد أبرز معالم الواقع الميداني الجديد في القطاع.
وبحسب الإعلان الإسرائيلي، يهدف هذا الخط إلى تحديد حدود يُمنع الاقتراب منها بوضوح لكل الفلسطينيين، مع التحذير بأن أي محاولة لعبور الخط ستُقابل بإطلاق النار.
ووفقاً لبنود الاتفاق، انسحبت قوات الاحتلال إلى هذا الخط مباشرة بعد وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين أول الماضي، لتتمركز ضمن نطاق يشكّل طوقاً عسكرياً يحيط بغزة.
ما يقدم بوصفه إجراءً أمنياً مؤقتاً، تحاول إسرائيل أن تحوله إلى خطة طويلة المدى لإعادة رسم خرائط غزة السياسية والاقتصادية، وتثبيت واقع جديد يُقسم القطاع فعلياّ، ويمهد لتحوّلات أعمق في مستقبل الصراع وموازين القوى.
تستند البيانات الميدانية إلى تقارير رسمية وتحليلات محلية تشير إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على نحو 53% من مساحة القطاع، تشمل الأراضي الشرقية الزراعية والمناطق الحيوية، وصولاً من رفح جنوباً إلى شمال بيت لاهيا.
ويخلق هذا الانتشار ممرات شبه معزولة بين المدن والمخيمات، ويحول غزة إلى مساحة مقطعة الأوصال، ما يصعب حركة السكان ويحد من تواصل المجتمعات في ما بينها.
هذا يتيح لإسرائيل مزيداً من المرونة في إدارة الواقع الميداني، دون مواجهة مباشرة مع القانون الدولي في ما يتعلق بالاحتلال.
تقدم "إسرائيل" "الخط الأصفر" على أنه إجراء أمني، يهدف إلى الحد من الاحتكاك مع السكان، لكنه يحمل أبعاداً أبعد بكثير، فهو يشكل آلية لإدارة غزة عبر تكريس واقع ميداني يضمن السيطرة الإسرائيلية على المدى الطويل، ويعيد رسم حدود النفوذ وفق منطق "الأمن مقابل الهيمنة".
وبذلك يتحول الخط من مجرد حد تكتيكي إلى أداة استراتيجية لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني الداخلي.
من منظور تحليلي، يمثل هذا التحكم بالأرض إلى التحكم بالموارد الزراعية والصناعية كخطوة استراتيجية تهدف إلى إضعاف القدرة الاقتصادية للقطاع وخلق اعتماد كامل على المساعدات الخارجية.
يؤكد مدير شبكة المنظمات الأهلية في غزة، أمجد الشوا، أن هذه السيطرة تهدف إلى "شل الدورة الاقتصادية للقطاع ومنع أي إمكانية لإعادة بناء مقومات الحياة والإنتاج".
ويشدد "الشوا" أن "الاحتلال يسعى عبر هذا النهج إلى خنق غزة اقتصادياً ودفع سكانها نحو الهجرة القسرية"، عبر خلق واقع اقتصادي واجتماعي لا يمكن احتماله.
ويشير المختص في الشأن الاقتصادي محمد أبو جياب إلى أن الخط الأصفر يشمل 60% من الأراضي الصالحة للزراعة، ما يمثل نحو نصف الإنتاج الزراعي المحلي.
ويحذر "أبو جياب" في أن السيطرة المباشرة على الغذاء المحلي سيجعل الغزيين يعتمدون على المساعدات الدولية فقط.
ويشير "أبو جياب" إلى أن تدمير هذه المناطق الزراعية والصناعية أسهم في فقدان آلاف الوظائف وزيادة معدلات البطالة والفقر.
قبل الحرب، شكل القطاع الزراعي نحو 15% من الناتج المحلي، فيما كانت الصناعة الخفيفة قاعدة أساسية للإنتاج المحلي للمواد الغذائية والإنشائية.
وكله كان يتوفر في المناطق التي تسيطر عليها "إسرائيل" الآن قبل أن تتحول الجغرافيا والبنية التحتية لهذه المناطق إلى رماد.
يمثل الخط الأصفر تحولاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، إذ يتيح السيطرة على غزة دون إدارة مباشرة، مع إبقاء النفوذ الأمني والاقتصادي بيد "إسرائيل".
ويحول وجودها في المناطق الحيوية إلى "جدار حماية" وفق ما يصفه المحلل أكرم عطا الله، في إطار نظرية "الجدار الحديدي"، التي تهدف إلى خلق حاجز دائم يمنع أي اختراق.
وتشير هذه النظرية لمنظّرها "جوبتنسكي" التي ظهرت في عشرينيات القرن الماضي، إلى مجموعة من الإجراءات والتدابير الهادفة إلى حماية مستوطنات الغلاف من أي تهديد.
يوضح "عطا الله" أن "إسرائيل" ترى في وجودها الدائم في هذه المناطق ليس خياراً تكتيكياً فحسب، بل هدفاً استراتيجياً لضمان أمنها طويل الأمد داخل قطاع غزة عبر الاحتلال الدائم.
أما الباحث صادق أبو عامر فيقول " إن الهدف السياسي الأعمق هو فرض واقع ديموغرافي جديد داخل القطاع، عبر فصل مناطق مأهولة بالسكان عن الأخرى وتقليص القدرة على قيام كيان فلسطيني موحد اقتصادياً وسياسياً". ويرى أنّ "إسرائيل" بذلك تسعى إلى توريط حركة "حماس" سياسياً ضمن استراتيجية تقوم على مبدأ "دع حماس تهزم نفسها بنفسها"، بحيث تتحمل الأخيرة تبعات الإنهيار المدني والإداري دون أن تحقق إسرائيل نصراً عسكرياً مباشراً. بات من الواضح أن إسرائيل وعلى مدى عدة أشهر تحاول التهرب من استحقاقات المرحلة الأولى، وتريد الدخول في المرحلة الثانية وعينها على سلاح المقاومة فقط لتحقيق إنجازات نوعية قبل الانتخابات الإسرائيلية، إن حكومة نتنياهو لا تريد تقديم أي تنازل حتى لو كان بسيطاً على أبواب الانتخابات التي ستجري في شهر أكتوبر، أعتقد أن هذا الملف سيرحل إلى ما بعد الانتخابات، لذلك على القوى الوطنية الفلسطينية إدارة هذا الاستحقاق بذكاء وعدم الدخول في أي نقاشات تخص المرحلة الثانية قبل إنجاز المرحلة الأولى وإبقاء الكرة في ملعب الاحتلال، فملفات المنطقة باتت متشابكة " فلسطين، لبنان، سورية، الحرب على إيران، الوضع الداخلي الإسرائيلي والانتخابات، الانتخابات النصفية الأميركية، فنتائج الانتخابات النصفية الأميركية والإسرائيلية العامة ونتائج الحرب على إيران سترمي بظلالها على كل ملفات المنطقة.
نبض