وجه الموت...
ليليان خوري
نزوع النفس هو أقصى وأقسى درجات التعلّق. فكيف يصمد الانسان أمام هذا الكّم من الشوق الذي ينتابه إزاء نفسٍ فقدها وروحٍ ما برحت تحتويه باستمرار.
مؤلمٌ الفَقد وموجعٌ أكثر ذاك التملّك الذي نستحضره دوماً من أجل إشباع ذاك الاشتياق الذي لا يهدأ بين الفينة والفينة بغية استجلاب أحبةٍ فقدناهم ذات يوم.
أوجه الإشتياق كلها صعبة، وإن كان أجفاها تلك التي تقودنا الى موت أبّ أو حبيب أو قريب أو صديق، لأن الانسان يقف عاجزاً إزاءها وخصوصاً أن الموت يأخذ منا من لن يعود يوماً. وهذا أعنف الحرمان والأحزان.
خسارة الأحباء تقودنا الى خسارة النفس. ففي كل مرة نفقد عزيزاً نخسر تلقائياً جزءاً من ذواتنا وأرواحنا. فلا تعود هياكلنا كاملة إذ يدمّر في كل مرة قسم منها لدرجة يصعب علينا ترميمها.
من أنواع النزوع أيضاً هو ذاك الاشتياق الذي يقودك الى ذاتٍ لم تعد هي نفسها. هي تلك الرغبة في العودة الى ما كانت عليه قبل أن تخدشها تجارب قاسية وإخفاقات ألمّت بها ذات واقعٍ عايشناه لم يكن المُراد نفسه والمطلوب أو الحلم الذي أردنا تحقيقه.
هذا الفقد للذات مؤلمٌ جداً لأن الانسان يعيش مشاعر من النكران والتقبّل لما يعيشه أو يختبره. وهذا ما يسمّى الضياع أو الحيرة، فتعتريه رغبة دائمة أو متقطّعة في العودة الى تلك الذات الحقيقية التي فقدها مع الوقت إما بقوة الواقع وإما بفعل الإرادة أو بفعل اللا إرادة.
ومن واقع الحال المبكي والمعيوش اليوم أن يخسر اللبناني وطنه ويعيش مراحل من الفقدان واللاهوية، وهو يشهد على احتلال أجزاء منه يوماً بعد يوم، واقتطاع العدو قراه الواحدة تلو الأخرى بوحشيةٍ تخطّت حدود القانون الدولي وحدود الإنسانية جمعاء.
تصنيفات مختلفة للنزوع وتوصيفات جمّة للاشتياق تصّب جميعها في خانةٍ واحدة هي "الحرمان" الذي يشكّل وجهاً من وجوه الموت يغلبُ أرواحنا وهي ما زالت على قيد الحياة.
نبض