ماذا لو كان الشيخ نعيم نسراً والإسرائيلي خنزيراً؟
ناجي علي أمهز
في إحدى أشهر المحاكمات العالمية، قال أحد الإسرائيليين بسبب غضبه على الأوروبيين، "إن وصف اليهود بالخنازير هو لشيطنتهم، فإن وصف اليهودي بالخنزير في الثقافة اليهودية فهذا وصمٌ له بأقصى درجات التدني الروحي والمادي، لكون الخنزير في شريعتنا اليهودية (الهلاخاه) هو الحيوان الأكثر نجاسة".
كذلك طرد رسام الكاريكاتور "آفي كاتس" عام 2018 من صحيفة "جيروزاليم ريبورت" بعد رسمه لنتنياهو وأعضاء في الكنيست برؤوس خنازير (مقتبساً ذلك من رواية "مزرعة الحيوان" لجورج أورويل).
عندما تمت برمجة لعبة Angry Birds سئل العاملون عليها ما الغاية والفكرة في هذه اللعبة؟ فقال كتاب السيناريو: "العبرة الكبرى هنا هي التضحية بالذات. الطيور لا تملك مدافع أو صواريخ، بل هي نفسها "القذيفة".
الفكرة: أحياناً يتطلب الدفاع عن الحق (البيض/المستقبل) أن تضع نفسك في المواجهة مباشرة وتغامر بكل ما تملك.
طوال اثني عشر قرناً، دفع الشيعة أثماناً باهظة من دمائهم وتهجيرهم واستقرارهم. لوحقوا في قمم الجبال وأعماق الكهوف، ونُكّل بهم في أصقاع البلاد، وكل ذلك كان يدور في فلك الخلاف على "كلمة" أو موقف تاريخي. خمسون عاماً قضاها الإمام الخميني وهو يدعو إلى تهذيب الخطاب وتجاوز الإساءات اللفظية، وأربعة عقود تلتها من دعوات الإمام الخامنئي للشيعة بضرورة التوقف عن شتم الرموز، ليس ضعفاً، بل هو إدراك لخطورة العناد الذي لا يورث إلا الهلاك. لقد استغرق الأمر ثلاثة عشر قرناً ليدرك البعض أن الكلمات الاستفزازية لا قيمة حقيقية لها في ميزان العقل، وأن شعار "عدم سب الصحابة" هو جسر عبور ضروري للقاء مع الآخر، في حين أن الطرف الآخر ظل لقرون يمارس الاضطهاد بناءً على موروث من الاحتقان اللفظي يعود إلى أكثر من ألف وأربعمئة عام.
وفي سياق البحث عن جوهر الدين والمنطق، تستحضرنا واقعة بليغة للبابا يوحنا بولس الثاني، حين سأله صحافي: "ماذا تفعل لو أن أحدهم ألقى بالإنجيل في مجاري الصرف الصحي؟" لم يغضب الحبر الأعظم، ولم يدعُ إلى ثورة دموية، بل أجاب بفيض من الحكمة: "سأتصل بالسبّاك". وعندما تعجب السائل، أوضح قداسته أن الكتاب الورقي ما هو إلا "وعاء" للدين، أما الدين الحقيقي فهو المحبة، والتسامح، والقدرة على السمو فوق الإساءة من أجل سلام الذات والمجتمع. هذه الروح هي التي جعلت من دولة لا تتجاوز مساحتها نصف كيلومتر مربع تحكم العالم روحياً وفكرياً، وتجعل من البابا رسولاً للسلام يُستقبل بالترحاب أينما حل، لأنه اختار قوة المنطق لا منطق القوة الصدامية.
إننا اليوم، أمام مفاهيم متكلّسة لا تقدمنا خطوة للأمام، نجد أنفسنا في مواجهة مع ذواتنا قبل أن تكون مع الآخرين. لو سُئل سماحة الشيخ نعيم قاسم عن الفيديو الذي بثته قناة "LBCI" والذي أثار لغطاً، لكان رده حتماً سيتسم بالترفع والذكاء، معتبراً أن تشبيه المقاومين بطيور هو أجمل الصفات، وهل أجمل وأبلغ وأرقى وأعظم من مشهدية طائر الفينيق؟ أولادنا وأكبادنا وأرواحنا هم كذلك، يولدون من رمادهم ليذودوا عن الوطن، وهذا تكريم فني ومعنوي.
صدقوني، الشيخ نعيم قاسم لا يستطيع أن يصف الإسرائيليين بما وصفتهم به محطة lbci. لقد ذهبت المحطة في توصيفها للعدو إلى أقصى مديات القسوة دفاعاً عن الجنوب وأهله، واضعة نفسها في خط مواجهة إعلامي خطير، لتأتي ردود الفعل من "جاهلي الجهل" بالسباب والشتائم، فقلبت الصورة وخسرت المشهد الذي كان يصب في مصلحة البيئة المقاومة.
لا يمكن فهم الغاية من الأسلوب الانتحاري في التفكير، خصوصاً في هذه الظروف العصيبة. يبدو أن هناك فئة لا تبحث عن النتائج السياسية أو المكاسب الإستراتيجية، بل تغرق في عقدة الصراع لإثبات أنها "على حق"، حتى لو كان الثمن تشويه صورتها أمام العالم".
إن ما يحدث اليوم وكل يوم، يتجاوز كونه أزمة تواصل، بل هو خطر فكري ووجودي. فنحن نقدم نماذج مهينة في السجال الإعلامي والسياسي، ونرفض كل يد تمتد للمساعدة ما لم تكن مطابقة تماماً لنبرتنا الحادة ومفرداتنا الضيقة.
إنها كارثة الكوارث أن نضيع بوصلة المصالح الكبرى في زواريب العناد اللفظي الذي لم يورثنا عبر التاريخ سوى العزلة والنزف.
نبض