بقايا قلبٌ ونصفُ روح

بقايا قلبٌ ونصفُ روح
منازل مهدمة جراء الغارات الإسرائيلية على بلدة مشغرة.
Smaller Bigger
مريم قنديل

لو أن ذراعيَّ تتسعان لتواسي كلَّ اليتامى،
لضممتُ هذا العالمَ المرتجفَ إلى صدري،
ومسحتُ عن جبينه غبارَ الخوف،
وعن عينيه سهرَ الليالي الطويلة،
وأخبرتُ كلَّ طفلٍ فقدَ أباه
أنَّ السماءَ لا تنسى أسماءَ الطيّبين،
وأنَّ الذين رحلوا تحتَ النار،
لم يرحلوا عبثًا،
بل تركوا فينا وجعًا بحجمِ وطن،
ووصيةً ثقيلةً بأن نبقى هنا!

لكن ذراعيَّ مقيّدتان،
وأنا أقفُ عاجزة،
كشمعةٍ في مهبِّ الريح،
أرتجفُ ولا أنطفئ،
أودُّ أن أصرخَ، 
لكن المأساةَ أخرستني! 
حتى أنني أبكي، 
ولا يُسمعُ بكائي،
كأن الحزنَ اختارني
لأكونَ شاهدةً على هذا الخراب،
ولأحملَ في قلبي
ما لا تحتمله الجبال.

يسكنني القهر، 
لا يعبرُ بي كضيفٍ،
بل يقيمُ في داخلي،
يعرفُ زوايا روحي كلَّها،
يجلسُ معي على مائدة الصباح،
يشاركني مرارة قهوتي، 
يرافقني حتى المساء،
ينامُ على وسادتي،
ويوقظني كلَّ ليلة
على صوتِ بيتٍ يُهدم،
أو أمٍّ تنادي ابنها
ولا يعود! 

ومع كُلِّ قُربانٍ يُقَدّمُ،
أشعرُ أنني أشيّعُ جزءًا منّي،
وأنَّ ما بين ضلوعي لم يعُد يسكنُ قلبي،
بل صار مقبرةً صغيرةً،
تزدحمُ فيها الوجوهُ والذكريات،
والأسماءُ التي رحلت
دونَ أن تودّعني.

أشعرُ أحيانًا
أنني فقدتُ بعضي، 
وأنا ما بقيَ مني،
 بقايا قلبٍ ذبيحٍ
نجا من موتٍ كثير،
وما زالَ يحملُ الناجينَ
كأنهم أمانةُ اللّٰه الأخيرة.

يسكنني الخوفُ، 
حتى صرتُ أخافُ
من صوت الهاتفِ في الليل،
من خبرٍ جديد
يحملُ اسمًا أحببته،
أو صورةَ شخص ألفته، 
ثم يأخذه مني إلى الأبد.

وصرتُ أخافُ أن يصبحَ الفقدُ
عادةً يومية،
وأن نتقنَ الوقوفَ
في توديع من نحبُّ،
أكثرَ من براعتنا
في الإحتفاظ بهم.

وأخافُ الحربَ، 
تؤلمني حروفها،
لا لأنها تسرقُ الأرواح فقط،
بل لأنها تُعلّمنا القسوةَ
رغمًا عنا،
وتجعلنا نعتادُ أخبارَ الموت
كأنَّ الفقدَ صارَ نشرةً يومية،
وكأنَّ البكاءَ
باتَ جزءًا من طقوس المساء، 
حين تغفو الأضواء، 
وتركنُ الأصواتُ إلى الحناجر.. 

أخافُ من وحدتي،
لأنها تُغرقني في بحرٍ من الأسماء والصور، 
وتراني أبدأ بالبكاء،
 فأنا أعرف
أنَّ تحتَ كلِّ ركامٍ
حكايةً لم تكتمل،
وضِحكةً انطفأت،
ويدًا دفُنت تحت أنقاض منزلها، 
ذنبها أنها كانت تُعدُّ الخُبزَ،
أو تمسحُ رأسَ طفلها،
أو تكتبُ رسالةَ حُبٍّ
لا أكثر! 

أبكي لأن الراحلينَ
صاروا أرقامًا في نشرات الأخبار،
لكني أعلمُ أنّهم أرواحٌ كانت تُحبّ،
وتخاف،
وتنتظر،
وتؤجّل أحلامها إلى الغد،
ثم لم يأتها الغدُ أبدًا.

وأبكي لأننا،
نحن الذين بقينا،
نحملُ ذنبَ النجاة أحيانًا،
ونسألُ بصمتٍ موجعٍ:
لماذا هم؟
ولماذا نحن؟

أبكي، 
كلّما مررتُ ببيتٍ مهدومٍ
كأنّ فيهِ ذكرى لي،
أبكي مع كلِّ أمٍّ ثكلى
كأنها أمي،
ومع كلِّ طفلٍ يرتجفُ من الخوف
كأنه هو قلبي الصغير،
الذي لم يعرف بعدُ
أنَّ هذا العالم
الذي يدَّعي التحضُّرَ، 
يمكنهُ أن يكون بهذه الوحشية.

تعبتُ من الحروب،
من الموتِ المزدحم، 
ومن انتظارِ النجاة،
من تعلّم الصبر قسرًا،
ومن حفظِ ملامح الراحلين
أكثر من حفظِ ملامح من بقي معنا.

أبكي لأنني أريدُ وطنًا
لا يُقاسُ بعدد الشهداء،
ولا تُكتبُ خرائطه بالدم،

أنامُ وأنا أحلمُ 
 بصباحٍ عاديٍّ 
لا نفقدُ فيه أحدًا،
ولا نعتادُ فيه الفقد،
أحلمُ بحياةٍ
لا نحتاجُ فيها
أن نكون أقوياءَ
إلى هذا الحد! 
أن لا نقوى
لنزرعَ وردةً قربَ الركام،
ونخبّئَ الخبزَ للغد،
وأن لا نفتحَ النوافذَ
رغمَ القصف،
كأننا نقول للحياة:
لن نهزمكِ بسهولة.

وأعودُ، 
في آخرِ الليل،
حين يسكتُ الجميع،
لأعترفَ بصوتٍ لا يسمعه أحد:
أنني متعبة…
متعبةٌ إلى الحدِّ
الذي يجعلُ الروحَ نفسها
تبحثُ عن كتفٍ ترمي حزنها عليه،
نصفُها هنا،
ونصفُها الآخر
مدفونٌ تحت الركام!
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان 4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار