أزمة الناتو: هل تستطيع أميركا الانسحاب؟
شفيق طاهر
في كل مرة يلوح فيها الرئيس الاميركي دونالد ترامب بإخراج الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة، هل يستطيع رئيس أميركي، أن يفكك الركن الأساسي في البنية الأمنية الغربية بقرار منفرد؟ نظريا، يبدو التهديد صاخبا ومقلقا، لكن عمليا، تبدو الطريق إلى ذلك أكثر تعقيدا بكثير مما يوحي به الخطاب السياسي.
الانسحاب الأميركي ليس قرارا سهلا
ففي واشنطن، لم تعد عضوية الولايات المتحدة في الناتو مسألة خاضعة بالكامل لمزاج الرئيس أو أولويات البيت الأبيض. إذ أقر الكونغرس الأميركي في 2023 قيودا قانونية تمنع الرئيس من الانسحاب من معاهدة حلف شمال الأطلسي من دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ أو صدور قانون من الكونغرس يجيز ذلك.بالتالي أي محاولة للانسحاب لن تكون مجرد إعلان سياسي، بل ستتحول سريعا إلى معركة دستورية ومؤسساتية داخل الولايات المتحدة.
ولا يقتصر الأمر على القانون الأميركي الداخلي. فمعاهدة الناتو نفسها لا تسمح بخروج فوري أو ارتجالي، إذ تنص المادة 13 على أن أي دولة راغبة في الانسحاب يجب أن تقدم إشعارا رسميا، ثم تنتظر عاما كاملا قبل أن يصبح قرارها نافذا. بعبارة أخرى، الانسحاب مسار طويل تحكمه الإجراءات والاصطفافات الداخلية والتوازنات الدولية.
الخطر الحقيقي... إضعاف الحلف لا الخروج منه
مع ذلك، لا يعني تعذر الانسحاب السريع أن الحلف محصن. فواشنطن تستطيع، من دون أن تغادر الناتو رسميا، أن تفرغه من مضمونه تدريجيا. وهذا ربما هو التهديد الأخطر الذي يقلق الأوروبيين اليوم. فالإدارة الأميركية، إذا أرادت، تستطيع تقليص انتشار قواتها في أوروبا، أو تخفيض مساهمتها العسكرية، أو إعادة تعريف أولوياتها الأمنية بما يجعل التزامها الأطلسي أقل صلابة وأضعف قابلية للاعتماد عليه.
هنا تحديدا تكمن أزمة أوروبا الحالية. فالقارة لا تواجه فقط احتمال خروج أميركي يصعب قانونيا تحقيقه، بل احتمال انسحاب سياسي وعسكري قد يبدأ من دون إعلان رسمي، لكنه يترك الأثر نفسه تقريبا على ميزان الردع. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن إدارة ترامب تدرس بالفعل إمكان إعادة النظر في حجم القوات الأميركية المنتشرة في أوروبا.
وهذا ما يفسر التوتر الأوروبي المتصاعد، فالمسألة لم تعد متعلقة فقط بما إذا كانت أميركا ستبقى داخل الناتو، بل بما إذا كانت مستعدة فعلا للاستمرار في لعب الدور الذي قام عليه الحلف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
زيلينسكي يلتقط لحظة القلق الأوروبي
في هذا المناخ المربك، جاء طرح الرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي لإنشاء هيكل أمني أوروبي جديد يضم أوكرانيا والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وتركيا والنرويج. ليس اقتراحا عسكريا فحسب، بل تعبير سياسي واضح عن قلق أوروبي آخذ في الاتساع، ماذا لو لم تعد واشنطن الضامن النهائي لأمن القارة؟
يحاول زيلينسكي نقل النقاش من مطلب انضمام أوكرانيا إلى الناتو، الذي تعثر مرارا، إلى فكرة أوسع تتعلق بإعادة بناء منظومة الردع الأوروبية نفسها. فبحسب هذا التصور، لا يمكن لأوروبا أن تواجه روسيا بفاعلية من دون أوكرانيا التي راكمت خبرة قتالية هائلة، ولا من دون تركيا بما تملكه من موقع استراتيجي وقدرات عسكرية وبحرية، ولا من دون بريطانيا التي لا تزال تمثل ركنا أساسيا في الأمن الأوروبي خارج الاتحاد الأوروبي. بهذا المعنى، فإن الرئيس الأوكراني لا يقترح مجرد تحالف جديد، بل يضع إصبعه على هشاشة البنية الحالية كلها.
لكن هذا الناتو الأوروبي يظل حتى الآن أقرب إلى فكرة سياسية كبرى منه إلى مشروع جاهز. فبناء مظلة دفاعية مستقلة يحتاج إلى تمويل ضخم، وقيادة موحدة، وإرادة سياسية أوروبية لا تزال مترددة ومنقسمة. كما أن أي بديل أوروبي سيصطدم سريعا بحقيقة أساسية، لا أحد في القارة قادر، حتى الآن، على تعويض الثقل النووي والاستخباراتي واللوجستي الأميركي بالكامل.
ومع ذلك، فإن أهمية اقتراح زيلينسكي لا تكمن فقط في قابليته للتنفيذ، بل في أنه يعبر عن تحول عميق في الوعي الأوروبي. فالنقاش لم يعد يدور فقط حول دعم أوكرانيا في الحرب، بل حول مستقبل الأمن الأوروبي نفسه في عالم لم تعد فيه المظلة الأميركية أمرا مضمونا كما كانت.
نبض