لبنان بين سجن الماضي ونهضة المستقبل
محمود الخراط
مفارقة الانهيار في وطن الإمكانيات
يُعد لبنان واحداً من أكثر النماذج إثارة للحيرة في الجغرافيا السياسية الحديثة؛ فهو بلد يمتلك كافة المقومات التي تجعل منه مركزاً حضارياً واقتصادياً عالمياً، إلا أنه يظل غارقاً في دوامة "العالم الثالث". يمتلك لبنان موقعاً استراتيجياً كصلة وصل بين القارات، وبيئة جغرافية غنية، والأهم من ذلك، يمتلك كنزاً بشرياً أثبتت التجربة العالمية أنه من بين الأكثر قدرة على الابتكار والريادة في أرقى المؤسسات الدولية. ومع ذلك، لا يزال هذا الوطن يتخبط في دهاليز الأزمات الهيكلية الخانقة. إن العائق الحقيقي أمام نهضة لبنان ليس نقصاً في الكفاءات أو الموارد، بل هو ارتهان العقل الجمعي لصراعات الماضي الغابرة، وغياب الهدف الوطني الموحد الذي تآكل تحت وطأة الانقسامات. هذا الواقع المرير أدى إلى "نزيف الأدمغة"؛ حيث بات الشباب اللبناني المبدع يرى مستقبله خلف البحار، هارباً من وطن يُحكم بالعصبية التاريخية بدلاً من معايير الكفاءة وبناء المستقبل.
أولاً: سجن التاريخ واستحضار صراعات القرون الغابرة
بينما تتسابق الأمم المتقدمة اليوم في مجالات الذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمومية، وسباق الفضاء، لا يزال المجتمع اللبناني يعيش انقساماً وجدانياً وسياسياً حاداً يقتات على تباينات فكرية وعقائدية تعود جذورها إلى ما يقارب 1394 عاماً. إن المشكلة الجوهرية في لبنان لا تكمن في وجود التاريخ بحد ذاته، بل في تحويل هذا الماضي إلى متراس سياسي يومي يُستخدم لتعميق الشرخ بين كبرى المكونات الطائفية، وخاصة بين الطائفتين السنية والشيعية اللتين تشكلان الثقل الأكبر في التركيبة السكانية.
إن هذا الاستحضار الدائم للصراعات حول الشرعية السياسية والتاريخية التي نشأت في فجر التاريخ العربي، لا يهدف للبحث العلمي أو العبرة، بل يُستخدم كأداة لشد العصب لضمان ولاء الجماهير الأعمى. ولم يتوقف هذا الانقسام عند حدود الطوائف الكبرى، بل تحول إلى "تفتيت للمفتت"؛ حيث نشهد انقسامات عمودية حادة داخل البيت الواحد والمكون الواحد، كما هو الحال في الانقسامات السياسية العميقة داخل الوسط المسيحي وبقية الطوائف. هذا التشظي جعل من لبنان مجرد جغرافياً يجمع شعوباً وقبائل لا يربطها مشروع وطني واحد، بل تجمعها فيتوات متبادلة تشل أي حركة نحو التطور، وتجعل من الدولة ساحة لتصفية الحسابات التاريخية بدلاً من أن تكون مؤسسة لبناء الغد.
ثانياً: كيف عبر الغرب نفق الصراعات العرقية والدينية؟
قد يتساءل المرء: هل لبنان هو الدولة الوحيدة التي شهدت صراعات دينية وعرقية مريرة؟ الإجابة قطعاً هي لا. فأوروبا عاشت حروباً دينية طاحنة استمرت لعقود وأبادت الملايين، وأميركا شهدت حرباً أهلية مدمرة وتاريخاً طويلاً من الاستعباد والتمييز العرقي ضد أصحاب البشرة السمراء. لكن الفرق الجوهري الذي يفسر تقدمهم وبقاءنا، يكمن في أن تلك الدول اتخذت قراراً شجاعاً بركن خلافاتها التاريخية وراء ظهرها ووضع "خطة وهدف استراتيجي أمامها.
تمكن الغرب من العبور عبر ثلاث ركائز أساسية:
1. سيادة القانون والمواطنة العابرة للهويات: انتقل الغرب من صراع الهويات في الشوارع إلى صراع البرامج في المؤسسات. تم إرساء مبدأ "المواطنة" حيث الجميع سواسية أمام القانون بغض النظر عن المنبت العرقي أو المذهب الديني. اليوم نرى في تلك الدول تعايشاً حقيقياً لأن الفرد يثق أن الدولة تحميه كإنسان ومواطن، وليس كفرد ينتمي لطائفة تحميه من طائفة أخرى.
2. المصالحة التاريخية وتحويل الماضي إلى دروس: لم يمسح الغرب تاريخه، بل وضعه في المناهج التعليمية كـذاكرة وطنية للعبرة لكي لا تتكرر المآسي. لقد اعترفوا بأخطاء الماضي وحولوها إلى قوة دفع نحو العدالة الاجتماعية، بدلاً من جعلها وقوداً للحروب المستمرة.
3. أولوية الإنتاج والرفاهية الاقتصادية: أدركت هذه المجتمعات أن الصراع المستمر يعني الفقر المستمر والضياع الحضاري، فاتفقت على عقد اجتماعي يقدس العمل والإنتاج والابتكار، مما جعل مصلحة الفرد مرتبطة عضوياً بنجاح الدولة ككل، وليس بنجاح زعيم طائفته.
ثالثاً: حتمية الثورة الثقافية والتربوية قبل التغيير السياسي
إن الرهان على تغيير الطقم السياسي في لبنان دون تغيير العقلية الشعبية السائدة هو رهان خاسر وتكرار لتجارب فاشلة. فالسلطة السياسية في نهاية المطاف هي إفراز طبيعي لثقافة المجتمع وقيمه. إذا ظل المواطن يفكر بطريقة إقصائية وتعصبية، فإنه سيعيد إنتاج نفس الطبقة السياسية الفاسدة مهما تغيرت الأسماء والوجوه.
الحل الحقيقي يكمن في ثورة ثقافية وتربوية شاملة تهدف إلى إعادة صياغة العقل اللبناني وتطهيره من رواسب الماضي. تبدأ هذه الثورة من غرف التدريس، عبر مناهج تعليمية حديثة تنزع بذور الحقد وتزرع مكانها قيم التفكير النقدي والبحث العلمي. يجب أن يتعلم الطفل منذ نعومة أظفاره أن شريكه في الوطن هو الأمان الوحيد له، وأن العدو الحقيقي هو الجهل، والفساد، وغياب القانون. إن الانتقال من مفهوم الرعية التي تقتات على فتات الزعماء، إلى مفهوم المواطن الحر الذي ينتزع حقوقه بقوة القانون، هو البوابة الوحيدة والشرط الأساسي للخروج من حالة التخلف.
رابعاً وأخيراً: الرغبة في المعرفة جسر الخلاص
هنا نصل إلى الركن الأهم في هذه الرؤية: "الرغبة في المعرفة". إن هذه الرغبة ليست مجرد ترف فكري، بل هي الدينامو والمحرك الذي يقود الشعوب نحو التحرر الحقيقي. فالمعرفة هي الفعل التحرري الذي يفكك شيفرات السيطرة والتجهيل التي يمارسها الإقطاع السياسي والطائفي.
كلما زادت رغبة الفرد اللبناني في المعرفة والاطلاع على تجارب الأمم الناجحة، كلما توسعت آفاق تفكيره وتلاشت أمامه الأوهام التي تزرعها الأفكار التعصبية. المعرفة تجعل الإنسان يتساءل بمرارة: " لماذا نجح الآخرون وفشلنا نحن؟"، و"لماذا يصر البعض على استحضار صراعات من قرون غابرة لتعطيل بناء مرفأ أو جامعة أو مستشفى؟".
إن الرغبة في المعرفة هي التي تمنح الإنسان "البصيرة"؛ فالمواطن الذي يتسلح بالعلم والوعي التاريخي والمجتمعي، لا يمكن تضليله بشعارات فارغة. هو يدرك يقيناً أن مصلحته ومستقبل أبنائه يكمنان في دولة المؤسسات العصرية التي تحترم عقله وكفاءته، لا في مغارة المحاصصة التي تقتله ببطء. عندما تتحول هذه الرغبة من طموح فردي إلى تيار وعي جمعي، سيبدأ لبنان فعلياً رحلة النهوض. إنها المعركة الكبرى؛ معركة الوعي ضد الجهل، ومعركة النور ضد الظلام، ومعركة إرادة المستقبل ضد قيود الماضي.
الطريق نحو لبنان المستقبل
إن لبنان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فهو لا يحتاج إلى معجزات خارجية بقدر ما يحتاج إلى "شجاعة داخلية" لمواجهة النفس. إن الخلاص يبدأ عندما يقرر اللبنانيون أن يكونوا أبناء الغد لا "حراس القبور والماضي". إن تجارب الأمم التي نهضت من الرماد تعلمنا أن العقل هو المورد الأغلى، وأن "الرغبة في المعرفة" هي الوقود الذي يشعل شموع النهضة في أشد الليالي ظلمة. بغير ذلك، سنظل نراوح مكاننا في قاع العالم الثالث، نلعن الظلام ونتصارع على إرث غاب أصحابه، بينما يرحل مبدعونا ليعمروا بلاداً عرفت قيمة العقل، وقيمة الإنسان، وقيمة المستقبل.
نبض