شبكة الوساطة المتشابكة بين واشنطن وطهران: لماذا تحوّلت إيران من باكستان إلى روسيا؟
أنطوان خليل عون
تتحرك الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران في مسار غير معلن، لكنه شديد النشاط، تقوده شبكة من الوسطاء الإقليميين والدوليين الذين باتوا يشكلون ما يشبه خارطة اتصالات موازية بين الطرفين، فالدبلوماسية هي فن تقييد القوة كما يقول هنري كيسنجر.
هذا التعدد في القنوات لا يعكس تعقيد الملفات المطروحة فحسب، إنما يكشف أيضاً عن طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، حيث لا الثقة متوافرة ولا الرغبة في مواجهة مفتوحة قائمة، وهو ما يجعل الوساطة غير المباشرة، الخيار الأكثر واقعية في هذه المرحلة.
في قلب هذه الشبكة، تبدو سلطنة عُمان القناة الأكثر ثباتاً وهدوءاً. تاريخها الطويل في لعب دور الوسيط بين الطرفين منحها مكانة خاصة، إذ تُعد الدولة الوحيدة التي حافظت على علاقة مستقرة مع واشنطن وطهران في آن واحد. دورها يتجاوز نقل الرسائل إلى توفير بيئة آمنة للحوار، وهو ما يجعلها الوسيط الموثوق الذي يعود إليه الطرفان كلما تعثرت المسارات الأخرى.
باكستان تبرز كقناة إضافية، وإن كانت أقل تأثيراً. دورها يقتصر غالباً على تمرير رسائل تقنية أو سياسية، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع طهران وصلاتها الأمنية مع واشنطن. ورغم الضجيج الذي رافق إعلانها عن "نجاحات دبلوماسية"، إلا أن تأثيرها الفعلي يبقى محدوداً مقارنة بالوسطاء الآخرين.
لماذا تحولت إيران نحو الوسيط الروسي الآن؟
تشير تقارير صحافية غربية إلى أن طهران فقدت الثقة بقدرة باكستان على لعب دور الوسيط بعد انهيار جولة إسلام آباد واتهام الأخيرة بأنها لم تنقل بدقة، مطالب إيران إلى الجانب الأميركي، وأنها تميل إلى مراعاة مصالح واشنطن. هذا الفشل جعلها تفتش عن وسيط يمتلك وزناً سياسياً أكبر، وقدرة على التأثير لدى واشنطن من هنا يتضح سبب توجه وزير الخارجية الإيراني إلى موسكو.
وعلى خط الوساطات، تتحرك قطر بسرعة أكبر وبمرونة أعلى، علاقاتها المتوازنة مع إيران والخليج، وقدرتها على إدارة ملفات إنسانية معقدة، جعلتها قناة مفضلة في قضايا الرهائن والتفاهمات الجزئية. الدوحة لا تسعى إلى هندسة اتفاق شامل بقدر ما تعمل على فتح نوافذ صغيرة تمنع الانفجار وتُبقي خطوط الاتصال مفتوحة.
تركيا بدورها تحاول أن تلعب دوراً مختلفاً، إذ لا تكتفي بنقل الرسائل، بل تسعى إلى توسيع إطار التفاوض ليشمل ملفات إقليمية أوسع، مستفيدة من موقعها بين حلف الناتو وإيران. هذا الدور الطموح يجعلها وسيطاً سياسياً أكثر منه فنياً، إذ تحاول ربط المسار الأميركي–الإيراني بتوازنات المنطقة.
مصر تقارب ملف الوساطة من زاوية مختلفة، إذ ترى فرصة لاستعادة دور إقليمي، فقدته خلال الأعوام الفائتة. القاهرة تتحرك بهدوء، وتعمل غالباً على تهيئة الظروف للقاءات أو تمرير رسائل عبر قنوات دبلوماسية وأمنية، من دون أن تتصدر المشهد.
أما القوى الكبرى مثل روسيا والصين، فدورهما أقل مباشرة حتى الآن، لكنه أكثر عمقاً. موسكو وبكين لا تنخرطان في تفاصيل التفاوض اليومي، لكنهما تملكان تأثيراً استراتيجياً على القرار الإيراني، وقدرتهما على توفير غطاء سياسي أو دفع طهران نحو مرونة محدودة يجعلهما جزءاً من المشهد، ولو من الخلف.
هذا التعدد في الوسطاء يعكس حقيقة مفادها أنه لا توجد دولة واحدة قادرة على إدارة العلاقة بين واشنطن وطهران. الملفات متشابكة، والمصالح متضاربة، والثقة شبه معدومة. لذلك تتوزع الأدوار بين من ينقل الرسائل، ومن يسهّل اللقاءات، ومن يفتح الأبواب، ومن يضغط سياسياً، ومن يوفّر الغطاء.
لكن السؤال الأهم هو إلى أين يمكن أن تقود هذه الشبكة. السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن تفضي هذه الوساطات إلى اتفاقات جزئية بدلاً من اتفاق شامل. صفقات تبادل سجناء، تفاهمات حيال ضمان الأمن البحري، أو تخفيف محدود للعقوبات، كلها احتمالات واقعية في ظل غياب الإرادة السياسية لاتفاق كبير. كما أن تعدد القنوات يقلّل من احتمالات التصعيد، إذ يضمن استمرار التواصل حتى في لحظات التوتر.
في المقابل، قد يؤدي تضارب أدوار الوسطاء إلى إرباك المشهد، خصوصاً إذا حاولت بعض الدول تضخيم دورها أو استخدام الوساطة لتعزيز نفوذها. هذا التنافس قد يعرقل أي تقدم، لكنه في الوقت ذاته يعكس طبيعة المرحلة: مرحلة انتقالية لا حرب فيها ولا سلام، تُدار عبر وسطاء كُثر، كلٌّ منهم يحمل جزءاً من الرسالة، ولا أحد يملك الصورة كاملة.
عامل الوقت يضغط على الجانبين فإيران تخشى إن طال أمد الحصار، من أن ينهار اقتصادها المتهالك بالكامل وهو ما سيؤدي حتما إلى انهيار نظامها، في المقابل، الرئيس الأميركي مستعجل لتحقيق نصر أو الفوز بصفقة رابحة مع إيران، كي لا يخسر الانتخابات النصفية. ففي لعبة عضّ الأصابع من سيصرخ أولا؟
.
نبض