مشروع سياسي لتماسك مجتمعنا في وجه التفكك
آلان علم الدين
كشفت الأشهر والسنوات الماضية حجم تفكك المجتمع في لبنان. فلم نواجه العدوان كمجتمع، بل كقبائل، بحيث استُهدفت طائفة ونزحت وقاومت، فيما تموضع "الآخرون" من هذه الطائفة، دعماً أو رفضاً. فأصبح هناك ثلاثة أطراف -العدو والشيعة والآخرون- عوض أن يكون هناك "آخر" واحداً هو الصهيوني.
لا شك في أن ثمة عاملاً جغرافياً لا يمكن تخطيه، فمعظم أهل جبل عامل من الشيعة. لكن التفكك ظهر حتى في جبل عامل نفسه. فمن استُهدف ونزح وقاوم ليس جبل عامل إنما الشيعة فيه. وقد بلغ الشرخ مستويات قصوى، فسمعنا أصواتاً متعالية تتهم طرفاً بالتفرد بالقرار وفرضه على غيره، وأصواتاً تتهم الأطراف الأخرى بالتخاذل. ولا بد من فهم جذر هذا الشرخ لمعالجته. فبطبيعة الحال، السبب ليس هوياتياً، فلا "جينات الشيعة" تدفع للانعزال ولا "جينات غير الشيعة" تهوى الشماتة! فما هي الأسباب المادية خلف هذا التفكك؟ وكيف نصون تماسك مجتمعنا؟
تسييس الهويات: أداة استعمارية بامتياز
إن هوية المرء أو الجماعة هي ما تميزهما عن غيرهما. لذا، استغلت السلطات على مرّ العصور الهويات لادعاء الشرعية أو حشد الموارد أو فرض الهيمنة. والاستعمار الأوروبي تحديداً وظّف الهويات لتفتيت المجتمعات التي استهدفها. وعندما بدأ احتلاله المباشر لأراضي الجنوب يتلاشى في النصف الاول من القرن العشرين، ثبّت منطق الهويات في الكيانات السياسية التي أسّسها قبل انسحابه.
فعلى سبيل المثال، تجري فرنسا تعداداً لسكانها كل عام. ويهدف التعداد الى معاينة واقع المجتمع، فيتحرى عن الإقامة والتعليم والمهنة والحاجة للعمل والطبابة والمواصلات، لكنه لا يسأل عن إيمان السكان بحيث لا تأثير لذلك على إدارة المجتمع. أما في لبنان، فقد أجرت فرنسا تعداداً للسكان مرة واحدة "وإلى الأبد" عام 1932، واستقصت فيه عن معتقد اللبنانيين الديني. ثم ثبتت منطقاً للأحوال الشخصية يعتبر أن الأولاد ينتمون إلى طائفة أبيهم. وهذا ما يتعارض مع الدين نفسه -فالقرآن ينتقد من يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم والإنجيل يطرح التلمذة والتبشير- لكنه يحوّل الإيمان إلى منطق قَبَلي، أي أنه يُمأسِس الطائفة كتشكّل اجتماعي نَسَبي ودائم.
ثم ثبّتت فرنسا، على أساس تعدادها، أحوالاً شخصية طائفية ومحاكم طائفية وقانون انتخابٍ طائفياً و"كوتا" طائفية لمجلس النواب وعُرفاً طائفياً للرئاسات الأساسية. كما فرضت هيمنةً ثقافية تصوّر لبنان كنموذج للتعايش-وهي كلمة يكرّس حرف التاء فيها وجود مجموعات عدة متموضعة بعضها مع بعض- على عكس المجتمع الذي يعيش ولا يتعايش. لا يعني كل ذلك أنه لم تكن في لبنان هويات، فالهوية، كما أشرنا، هي أمر تلقائي. لكن تسييس فرنسا للهويات رسّخ المنطق التفتيتي وضمن حاجة أقليات لبنان المسيحية إليها كـ"أم حنون" تحميهم من الآخر.
زعماء يأسرون أنفسهم -ومجتمعهم- بمنطق الاستعمار الهوياتي
كان بإمكان المجتمع اللبناني رفض منطق الاستعمار هذا. لكن زعاماته السياسية والطائفية والرأسمالية أدركت قيمة تسييس الهويات لمصالحها. فتبنته، رغم التوتّرات التي سببها هذا المنطق؛ والمجتمع ارتضى. كان يمكن إعادة النظر بعد حرب الـ58، لكن الزعماء لم يفعلوا ذلك؛ والمجتمع ارتضى. ثم فرضت حرب الـ75 إعادة نظر، لكن الزعماء، بإيعازٍ من رعاتهم الخارجيين المستفيدين، ثبّتوا تعديلات اتفاق الطائف داخل المنطق الطائفي عوض التحرر منه؛ والمجتمع، المنهك من الحرب، ارتضى.
كرّست مرحلة "إعادة الإعمار" سياساتٍ قبلية إضافية. فعوض جعل وسط بيروت مساحةً للتلاقي وكسر شرخ شرقية/غربية، سُرِق، وأُبقي الشرخ. وعِوض توحيد فروع الجامعة اللبنانية وتأمين سكنٍ مركزي، أُبقِيت الفروع، فأصبح المحامون (ونقيبهم) مسيحيين والمهندسون (ونقيبهم) مسلمين. وعوض ربط المناطق بشبكة نقل مدروسة، تُرك الأمر للقطاع الخاص، أي لأصحاب رأس المال، أي لأمراء الحرب، فبات هذا الباص ينقل المسيحيين من المنصورية إلى الدكوانة، فيما ينقل ذاك الفان المسلمين من حارة حريك إلى الحمرا. وعوض توحيد المناهج الدراسية، بات أولاد هذه القبيلة يتعلمون الفرنسية فيما يتعلم أولاد تلك الفارسية، بل سُمح حتى بمناهج أجنبية تعلم أطفالنا عن جارتنا إسرئيل. وعوض الإنتاج -بما في ذلك إنتاج السلاح- أُسّس لاقتصادٍ ريعي، فهاجر شبابنا، وباتت مصالحهم ما يربطهم بالخارج، أما ما يربطهم بالداخل فهويتهم. وحتى بعد التحرير، عوض انخراط المجتمع كاملاً في الدفاع، أُلغيت الخدمة العسكرية، وبقيت هناك قوتان عسكريتان أساسيتان، إحداهما خاصة بطائفة وتمويلها إيراني، والأخرى خاضعة لفيتو الطوائف وتمويلها قطري-أميركي. فكُرِّس، سياسة بعد سياسة، أسرنا بمنطق الاستعمار الهوياتي.
والمجتمع ارتضى.
حتى متى نرتضي؟
إن التفكك الذي رأيناه في الأشهر والسنوات الماضية ليس قدراً، بل هو نتاج سياساتٍ محددة فرضها الاستعمار وزعماء الطوائف. وعليه، الحل بتبني مشروع سياسي على نقيضٍ تام مع كل ما سبق، وفرضه. مشروع مصمم لتفكيك، لا المجتمع، بل القبائل، على كل المستويات المذكورة: التعداد والأحوال الشخصية والقانون الانتخابي والتنظيم المدني والنقل والطبابة والتعليم والإنتاج والسلاح والخدمة العسكرية وغيرها.
لن يحقق هذا المشروع نفسه. فعلى صنّاع القرار والنخب والمؤثرين في لبنان -وبينهم العلمانيون الذين مانعوا بتبني مشروعٍ بديل ممانعة رهيبة- إدراك الخطر المحدق. وهذا يعني الخروج من الاصطفاف مع هذا الركن أو ذاك من النظام الطائفي، حتى لو وجدنا أنفسنا أقرب إليه. وتخطي الشعارات التي لا تعالج جذر المشكلة كمحاربة الفساد واستقلالية القضاء. والانتقال من النضال الفردي -الأشبه بالتذمّر، أو الأدعية!- إلى العمل السياسي المنظم. فالمجتمع أصبح أمام خيارٍ بين الحرب الأهلية والتطبيع، أو ربما كلاهما، ولا يجوز أن نرتضي بعد اليوم.
نبض