أتريد أن تبرأ ؟
الاب ايلي قنبر
1."وَكانَ مُخَلَّعًا"
ما الذي يجعلني مخلَّعًا أو مصابًا بالشلل؟
قد يتعرّض المرء للشلل عند الولادة أو إثر تعرّض لحادثة أو مرض ما. وتتنوّع العوامل النفسيّة المؤثِّرة لدى المصاب تبعًا لنوع الاصابة (كليّة/ جزئيّة؛ دائمة / موقّتة) والقدرة على التكيّف إلى قوّة او ضعف الشخصيّة.
لنذهب إلى رواية يوحنّا للإنجيل: "كانَ هُناكَ رَجُلٌ بِهِ مَرَضٌ مُنذُ ثَمانٍ وَثَلاثينَ سَنَة". بعد إصابته بالشلل، ساءت حالته النفسيّة نتيجة الإصابة المزمنة وعدم توفّر"إِنسانٌ إِذا تَحَرَّكَ ٱلماءُ يُلقيني في ٱلبِركَةِ". رأى نفسه متروكًا. ومع ذلك أمِل النزول في البركة لنَيل الشفاء. "هَذا إِذ رَآهُ يَسوعُ مُلقًى، وَعَلِمَ أَنَّ لَهُ زَمانًا طَويلًا، قالَ لَهُ: *أَتُريدُ أَن تُبرَأ؟*". ولمّا تأكّد من رغبته القويّة بالمِضِيّ قدُمًا في طلب التعافي، قال له:" قُم. إِحمِل سَريرَكَ وَٱمش".
تُرى، في حالتنا المزمنة من شلل فكريّ أو معنويّ أو فعليّ أمام ما يضرب كوكبنا ويهيمن على مصائرنا نحن الـ "جمهورٌ الكَثيرٌ مِنَ ٱلمَرضى، مِن عُميانٍ وَعُرجٍ وَيابِسي ٱلأَعضاءِ"، هل نريد استعادة قدرتنا على تقرير المصير والمِضيّ قدمًا في بناء الحياة وتنميتها؟ وحين يجدنا يسوع، هل سنَسمعه يقول لنا كما للمخلَّع:"ها قَد عوفيتَ، فَلا تَعُد تَخطَأُ لِئَلاَّ يُصيبَكَ أَعظَم"؟!
2. "إِنَّهُ سَبتٌ! فَلا يَحِلُّ لَكَ أَن تَحمِلَ ٱلسَّرير"
تكثر في الانجيل مجادلات يسوع مع رؤساء اليهود حول السبت . حتّى إن الفِرِّيسيِّين والصدّوقيّين الذين كانوا أعداء اتّحدوا ضدّه لإضعافه سلطانهم. فاشتعلت رغبة وحشية لديهم للانتقام منه. وبقوا يراقبون يسوع ليصطادوه بأسئلتهم .
رواية شفاء المخلّع أعلاه حصلت يوم سبت - الشابات. وما أدراك ما هي "شريعة السبت"!
ما هو"الشابات"؟ للسبت شرائعه لا تُعَدَ بحيث أزهق الفرّيسيّون الناس بها، ما استدعى تدخّلًا من يسوع انتقد فيه هذا "الإسهال" في التشريع: "فإنّهم يحزمون أحمالًا ثقيلة عسِرة الحَمل ويضعونها على اكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يحرِّكوها بإصبعهم" ، فـ"وَيل لكم" ... هل سيَقبلون هذا الذي صعَقهم بقَولته: "هوذا بيتكم يُترك لكم خراباً" ، أي الهيكل في أورشليم الذي قصَده، المسيح وهو تجسيد لحياة الأمّة وعبادته. وهكذا انتهت الأمة وما تزعمه من حقّ في الأرض. بعد أن دمّره الرومان. لا بل ذهب يسوع بعيدًا، حيث قال لليهود بكلّ وضوح: "إنّ ملكوت الله يُنزع منكم ويُعطى لأُمّة تعمل إثماره" .
في ختام رواية شفاء المخلّع، نقرأ أن "ذَهَبَ ذَلِكَ ٱلرَّجُلُ (المخلَّع) وَأَخبَرَ ٱليَهودَ أَنَّ يَسوعَ هُوَ ٱلَّذي أَبرَأَهُ" لا ليُورّط يسوع بل ليشهد للذي اشتهر بقَولة "السبت إنّما جُعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت" .
ونحن، في زمننا، هل نجعل كلّ شيء في خدمة الانسان، أو نُخضعه لآليّات تُشبه "شريعة السبت" أو عبادة أشخاص يستغلّونهم ويستعبدونهم؟ لنَرَ !
ملفّات جيفري اࢷستين لا تقتصر على الإتجار بالبشر والاستغلال الجنسيّ للقاصرات وابتزاز ساسة ونساء ورجال أعمال وما شاكَل. بل تذهب أبعد، إلى ابتداع عبادة جديدة من تجلّياتها "اتّفاقيّات أبراهام" الشنيعة التي تبغي ضرب "الديانات السماويّة" أوّلًا وكلّ القيَم والمبادݵ ليحلّ محلّها عبادة إلَه جنسيّ.
المجمّعات العسكريّة في أميركا تعمل في الإتجار بالأسلحة وصنع الحروب المتعدِّدة الوجوه، الاسخباراتيّة منها والالكترونيّة والڤيروسيّة.
كارتيلات الدواء تخفي في مختبراتها العديد من الڤيروسات الفتّاكة، إلى أدوية لا تشفي، لتحصيل غنى فاحش على حساب المرضى. وبتواطؤ فظيع من أطبّاء يُقسمون بالحفاظ على حياة مرضاهم.
بالمقابل، تكثر الجماعات والمنظّمات والجمعيّات العاملة في سبيل المُستَضعفين: الحركة الاجتماعيّة؛ أطبّاء بلا حدود؛ الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة؛ منظّمات حقوق الانسان؛ الجمعيّات التي تعنى بالطفل والمرأة والمسنّين ومرضى السرطان؛ كاريتاس وما شاكلها؛ الهيئات التطوّعيّة؛ مسانِدو المهاجِرين؛ الصليب الأحمر والهلال الأحمر؛ الدفاع المدَني؛ جمعيّات محو الأُميّة؛ الجمعيّات البيئيّة ... إلخ
3."يا أَينِياسُ شَفاكَ يَسوعُ ٱلمَسيح. قُم وَٱفتَرِش لِنَفسِكَ"
هناك ما يُسمّى بالأناجيل الإزائيّة لأن هناك أقساماً منها مشترَكة بطريقة ما انطلاقًا من المصدر "Q" بحسب المُعطى العِلميّ. وفي الاتّجاه نفسه ذهب لوقا في كتابة "أعمال الرسل" مبيّناً الرسل والجماعة تقوم بأعمال يسوع وباسمه: "يا أَينِياسُ شَفاكَ يَسوعُ ٱلمَسيح. قُم وَٱفتَرِش لِنَفسِكَ".
في الجماعة الأولى كان كلّ شيء مشترَكًا في ما بينهم ، إذ تميّزوا بروح الشركة والمشاركة. ولنا مثال القدّيس باسيليوس الكبير - الذي كان يخدم الفقراء بنفسه وقدّم الأغنياء له بسخاء - مُنشىء "المدينة الباسيلية". كانت هذه تضمّ مؤسّسات اجتماعية شاملة في إطار مجمَّع سكني وخِدَمي متكامل من بيوت للمسافرين ومستشفيات لعلاج المرضى وملاجئ للفقراء ومشاغل للتدريب المهني.
في أيّامنا، نجد السلطة في أميركا وأوروࢷا الغربيّة وفي الكَيان الغاصب تُبذِّر أموال المكلَّفين في شراء القنابل وزرعها في أنحاء فلسطين ولبنان خصوصًا، كما في إجراء أبحاث مخبريّة لغايات تدميريّة أو إجراميّة ... والسلطة في لبنان تبذّر أموال المكلَّفين بدَورها عبر سرقتها أو هدرها ...
ختامًا، هل نودّ أن نقوم "بأعمال عظيمة مِثل يسوع، لا بل أعظم" كَشهود للحبّ وللرحمة؟
نبض