فقط في لبنان... من شبًَ على حربٍ شاب عليها

منبر 27-04-2026 | 14:54

فقط في لبنان... من شبًَ على حربٍ شاب عليها

نحن مع رئيس الجمهورية في السير بطريق التفاوض من أجل إنهاء مسلسل الحروب، دون التفريط بالسيادة والأرض والوحدة الوطنية
فقط في لبنان... من شبًَ على حربٍ شاب عليها
دبابات ومركبات عسكرية بالقرب من الحدود بين لبنان وإسرائيل (أ ف ب).
Smaller Bigger

أنور ضو، المدير العام السابق لتعاونية موظفي الدولة

 

هل نتحمّل بعد مزيداً من الحروب، ومزيداً من التراجع والانهيار؟!!

 

نحن جيلٌ وُلِدنا مع النكبة وترعرعنا مع مفاعيلها. عصفت بنا رياح المحاور والأحلاف. حلف بغداد أشعل الثورة سنة 1958، فأخذَنا أطفالاً إلى حيث يلتقي الثوّار. لهونا بالخرطوش الفارغ الذي كانت تطلقه بارودة الـFM  ذات الصوت الممّيّز، وشاهدنا طائرة الهوكرهنتر وهي تقصف مواقع الثوّار فوق تلال الشحّار. 

 

بدأ وعينا السياسي ينمو مع نمو الشعر الناعم على ذقوننا وشواربنا، وما إن قفزنا إلى الشباب حتى قفزت أحلامنا الوطنية والقومية إلى واجهة طموحنا مع خطب جمال عبد الناصر وفكر كمال جنبلاط. غنّينا للوطن الأكبر، واعتقدنا أن الوحدة العربية باتت على قاب قوسين منّا، وأنّ فلسطين التي اشتعلت ثورة شعبها لم تعد بعيدةً عن خطانا، إلى أن فاجأتنا حرب الخامس من حزيران و"تحطّمت الطائرات عند الفجر" في مصر، فتحطّمت معها أحلامنا وطموحاتنا، واحتلت إسرائيل صحراء سيناء والضفّة الغربية والجولان. وعلى الرغم من ذلك لم ننكسر، وبقينا نتظاهر لدعم قضية فلسطين العادلة، التي تجدّد عندنا الأمل بتحريرها مع تصاعد عمليات الفدائيين الفلسطينيين. لكن إسرائيل واجهت الثوّار بقسوة فحطَمت طائراتنا المدنية في المطار، ودخل الكومندوس العائد لها ليغتال ثلاثة قادة من فتح في قلب شارع ڤردان، واشتعلت المعارك بين الجيش اللبناني والفدائيين، واحتقن الشارع الداخلي نتيجةً لما تقدّم، وبسبب الصراع بين يمينٍ تقوده الجبهة اللبنانية، ويسارٍ تقوده الحركة الوطنية اللبنانية.

 

 وفي لحظة سوداء من عمر الوطن مزّق الرصاص أجساد الفلسطينيين العائدين من مهرجانٍ شعبي في بوسطة عين الرمانه في 13 نيسان 1975، فتمزّق معها البلد، وعمّ الاقتتال، وللأسف بدأ ينحو منحىً طائفياً خلافاً لطموحاتنا.

 

انتهى القتال مع دخول قوّات الردع العربية، ولكنّ الحرب لم تنتهِ، فانسحب العرب، وبقي السوريون وحدهم يهيمنون على البلد رغم تصدي القوّات الوطنية لهم. دخلوا بتغطية وطلب من الجبهة اللبنانية، التي تصدّت لهم فيما بعد بقيادة بشير الجميّل في بيروت.

 

كانت الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية عقبتين في طريق المؤامرة، فتولّى حافظ الأسد قمع الحركة الوطنية باغتيال قائدها كمال جنبلاط، وتولّت إسرائيل اجتثاث الثورة الفلسطينية ونفي قادتها وعناصرها إلى تونس في اجتياحها سنة 1982.

 

إنتعش اليمين اللبناني آنذاك، ووصل بشير الجميّل إلى رئاسة الجمهورية لكنّه اغتيل قبل أن يتسلّم الحكم.

 

حاولت القوات اللبنانية احتلال الجبل فتصدّى لها الحزب التقدمي الإشتراكي والأهالي. عقد أمين الجميّل اتفاق السابع عشر من أيار مع إسرائيل، فأسقطته حرب الجبل وانتفاضة الضاحية ومواقف بعض الشخصيات الوطنية، وأدّت نتائج حرب الجبل والصمود في معركة سوق الغرب إلى إقرار اتفاق الطائف، والدخول في مرحلة من السلم تحت الوصاية السورية. 

 

أدّى تسليم سلاح الميليشيات للدولة واستثناء حزب الله منها، تحت عنوان المقاومة، إلى "نقزة"من نتائج هذا الاستثناء. 

 

برز رفيق الحريري كظاهرة وطنية تبني ما دمّرته الحرب، وتعمل على تطوير البلد عمرانياً، لكن إسرائيل كانت تُدمّر البُنى التحتية في حربين تشنهما على حزب الله؛ الأولى سنة 1993 ( تصفية الحساب) والثانية سنة 1996 (عناقيد الغضب). إلى أن نجحت المقاومة في تحرير الأرض في 25 أيار سنة 2000.

 

هلّل اللبنانيون والعرب وكل البلاد الإسلامية للتحرير وانتشرت في هذه الدول صور السيد حسن نصرالله. إلّا أن الرغبة الإيرانية في إبقاء لبنان ورقةً بيدها، دفعت حزب الله إلى التذرّع بمزارع شبعا وتلال كفرشوبا للإبقاء على المقاومة. 

 

أُجريت مصالحة الجبل في صيف 2001 بين المغفور له الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، ما أراح الوضع في الجبل والوطن، لكنَّ اغتيال رفيق الحريري وثُلّة من النواب والصحافيين والناشطين السياديين أعاد التوتر، فخرجت المظاهرات المليونية إلتي تقودها حركة 14 آذار إلى الشوارع مطالبةً بخروج الجيش السوري من لبنان ومحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري، فقابلتها مظاهرة 8 آذار من الأحزاب الداعمة لمحور الوصاية تحت عنوان "شكراً سوريا"، فانقسم البلد. إلّا أن هذا الضغط الشعبي السيادي، معطوفاً على الموقف الدولي، أرغم بشّار الأسد على سحب جيشه من كل لبنان، فتنفّس البلد الصُّعداء، لكنَّ حزب الله جرّ لبنان إلى حرب تموز 2006 بخطفه جنديين إسرائيليين، وأسقط الحكومة بحركة القمصان السود. ثم قام باحتلال بيروت ومحاولة الدخول الفاشلة إلى الجبل في 7 أيّار، فكانت النتيجة اتفاق الدوحة والثلث المعطًل، والسيطرة على القرار اللبناني لاسيما في عهد الرئيس السابق ميشال عون، في الوقت الذي كان فيه يحارب في سوريا دعماً لحليفه نظام الأسد المنهار، وذلك خلافاً لرأي اللبنانيين الباقين بمن فيهم حركة أمل والرئيس نبيه بري. عانى لبنان أمنياً واقتصادياً من جرّاء هذا التدخّل.

 

في أواخر سنة 2019 دخلنا في محنة الكورونا والثورة والانهيار الاقتصادي وسرقة الودائع.

 

 في عزّ هذه المصائب اشتعلت حرب غزة، فارتأى حزب الله، من دون موافقة الدولة، أن يساندها، فاشتعلت الحرب على لبنان سنة 2024 ودمّر الصهاينة الأبنية والمؤسسات في الجنوب والضاحية بشكلٍ خاص، كما اغتالوا السيد حسن نصرالله وعدداً من قادة الحزب. توقفت الحرب بموجب القرار الدولي رقم 1701. لكن العدو الإسرائيلي ظل يلاحق أركان حزب الله في كل مكان مدة خمسة عشر شهراً، من دون أي ردٍّ منهم، فيما الدولة سلكت الخيار الديبلوماسي من أجل استعادة النقاط الخمس التي بقيت إسرائيل تحتلُّها بعد وقف إطلاق النار. إلى أن اشتعلت الحرب بين أميركا وإيران من جهة وإسرائيل من جهة ثانية في أواخر شباط 2026، فاغتيل المرشد الأعلى السيد علي خامنئي وعدد كبير من القادة الإيرانيين. عند ذلك أخذ حزب الله القرار منفرداً بدخول الحرب ضد إسرائيل من أجل مساندة طهران والثأر لمقتل الخامنئي. 

 

ماذا كانت النتيجة في لبنان؟ 

 

أكثر من ألفي قتيل، وسبعة آلاف جريح ومفقود، ومليون ومائتي ألف نازح، وتدمير الأبنية والمؤسسات في بيروت والضاحية، واحتلال ثماني وخمسين بلدة في الجنوب وجرف منازلها حتى غدت أطلالاً لا يمكن عودة أصحابها إليها. كما عمدت إلى إقامة منطقة عازلة خالية من السكان ( اللهمّ إلّا من المستوطنين فيما بعد؟!!)بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات، تعمل إسرائيل على ربطها بالمنطقة العازلة السورية. بالإضافة إلى احتلال التلال الاستراتيجية في جبل حرمون والوصول إلى أعتاب دمشق.

 

لقد قضينا سحابة عمرنا في لهب هذه الحروب، وكنا نطمح ونعتقد أننا سنرى بناء الدولة الديمقراطية، العادلة، القويّة، والمتطوّرة، ونشهد على تحرير فلسطين، فلا بنينا دولة، ولا تحرّرت فلسطين. فهل مكتوبٌ علينا وحدنا في هذا العالم العربي، أن ندفع أثمان الصراعات الإقليمية، وأن تبقى دولتنا ضعيفة عاجزة عن تأمين الحياة الحرة الكريمة لمواطنيها، جرّاء حروبٍ لا علاقة لنا بها في أغلب الأحيان، وتُعلَن خلافاً لإرادتنا، من أجل تعزيز نفوذ هذه الدولة أو ذاك المحور؟ وهل مكتوبٌ على كلّ من ساقه القدر كي يولد في لبنان، أن يشبَّ على الحرب ويشيب عليها كرمى لعيون الآخرين، الذين يحاربون بنا ويتفرّجون علينا نكتوي بالنار التي أوقدوها في أرضنا كي تبقى بعيدةً عن أرضهم وأبنائهم؟

 

أما حان لنا أن ننتهي من هذه الدوّامة، أم أن شعارات العزّة والكرامة التي خدّرونا بها منذ مطلع شبابنا ولم نحظَ بها، يجب أن تبقى ذريعةً لانخراطنا في حروبٍ لا نهاية لها؟.

 

نحن مع رئيس الجمهورية في السير بطريق التفاوض من أجل إنهاء مسلسل الحروب، دون التفريط بالسيادة والأرض والوحدة الوطنية. ومع العودة إلى هدنة شبيهة بهدنة عام 1949 مع بعض الإضافات التي تقتضيها الضرورات الناشئة حالياً، على أن يتم ذلك بعد تحقيق كل الخطوات التي رسمها فخامة الرئيس جوزاف عون لسير المفاوضات. لقد ضقنا ذرعاً بالحروب والصراعات ونتائجها الاقتصادية المدمّرة، ونعلن بالفم الملآن، أننا لا نريد أن نبقى وقوداً لنيران حروبٍ يُشعلُها غيرنا ونكتوي بها نحن وأولادُنا وأحفادُنا إلى أبد الآبدين ودهر الدّاهرين.

 



الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
دوليات 4/26/2026 12:15:00 AM
جريمة صادمة في مكسيكو سيتي: مقتل ملكة جمال سابقة بـ12 رصاصة على يد حماتها