لبنان: مختبر التاريخ والسياسة في أعماق الإنسان
الدكتور طلال الخزرجي
قيل قديماً: "من أراد أن يرى التاريخ مكتوباً فليقرأ الكتب، ومن أراده حياً نابضاً فليذهب إلى لبنان". فهذا البلد الصغير المساحة، الهائل التناقضات، ليس مجرد دولة عربية بين المتوسط والجبل، بل هو "مسرح واقع" متكامل، حيث تتدافع على خشبته التيارات السياسية منذ مئتي عام، وتتصارع الطوائف والعرقيات، وتتنازع القوى الإقليمية والدولية، ليخرج لك في النهاية إنسان لبناني فريد في تركيبته النفسية، وفلسفته في الوجود، وعمقه الإنساني الذي لا يشبهه فيه بشر.
أولاً: لوحة فسيفساء لا تتوقف عن التلون
عندما تتجه إلى لبنان، تجد نفسك أمام متحف مفتوح للتيارات السياسية. فيه القومي اللبناني الذي يتمسك بـ"لبنان الكيان"، والعروبي الذي يحلم بوحدة الأمم، والإسلامي بمرجعياته السنية والشيعية، واليساري المسكون بحلم العدالة الاجتماعية، والزعيم التقليدي الذي لا يحكم إلا باسم العائلة والعشيرة. وأكثر من 60 حزباً سياسياً مسجلاً في وزارة الداخلية، بعضها لا يتجاوز كونه بطاقة حزبية لرجل واحد أو تنظيماً صغيراً، وبعضها الآخر يمثل مئات الآلاف من اللبنانيين.
لكن السر الأعجب ليس في كثرة الأحزاب، بل في أن كل حزب، أو كل طائفة، أو كل عرقية (مارونية، سنية، شيعية، درزية، أرمنية، كلدانية، آشورية...) تحمل في داخلها فلسفة سياسية متكاملة تجاه الدولة، الحياة، الموت، والآخر. الصراع إذن ليس صراع مصالح عابرة، بل هو صراع وجودات متعددة داخل حدود جغرافية واحدة.
ثانياً: الحراك السياسي الطائفي... قنبلة موقوتة منذ 1860
منذ مجازر 1860 بين الدروز والموارنة، مروراً بالميثاق الوطني 1943 الذي وزع المناصب كما لو كانت غنائم حرب، وصولاً إلى الحرب الأهلية (1975-1990) التي جعلت كل لبناني ضحية وجلاداً في آن، وإلى انفجار 4 آب 2020 الذي أظهر أن الدولة قد تموت قبل المواطن... هذه السلسلة المتواصلة من التدخلات العرقية والطائفية شكلت للإنسان اللبناني "عقدة البقاء". لم يعد يثق بأي مؤسسة، ولم يعد ينتظر العدالة من أحد، بل تعلم أن يخلق أخلاقاً موازية تسمى "أخلاق الأزمة".
وهكذا تشكلت فلسفة لبنانية في السياسة تقول: "لا تنتصر كلياً، ولا تخسر كلياً، فقط در نفسك في التحالفات المتقلبة". هذه الفلسفة تجلت بشكل صارخ في تركيبة "الرجل اللبناني" الذي قد ينتمي حزبياً إلى ثنائي "أمل وحزب الله" وعائلياً إلى "القوات اللبنانية"، ويظل جالساً على قهوته الصباحية يحلل الجيوسياسية بأريحية قاتلة.
ثالثاً: التاريخ والسياسة وجهان لعملة واحدة
في لبنان، التاريخ ليس مجرد ماضٍ ندرسه، بل هو مادة خام تطحنها السياسة يومياً لإنتاج الحاضر والمستقبل. العلاقة بينهما عضوية وجدلية:
. السياسة في لبنان تاريخ حي: كل حدث سياسي اليوم هو امتداد لصراع عمره يزيد على مئة عام. الموارنة لم ينسوا 1860، والسنة لم ينسوا 1958، والشيعة لم ينسوا حرمانهم قبل الطائف، والدروز لم ينسوا كيف خاضوا معركة جبل لبنان وحدهم في منتصف السبعينيات بعد أن نقض حلفاؤهم وعودهم. هذه "الذاكرة الطويلة" تجعل السياسة اللبنانية محكومة
بـ "انتقام تاريخي" دائم.
· كل صراع سياسي هو إعادة إنتاج لصراع تاريخي: تحالف 8 آذار و14 آذار (2005) هو تكرار لـ"اليمين واليسار" في الحرب الأهلية (1975)، وهو أيضاً إعادة ترتيب لتحالفات عام 1958. الوجوه تتغير، لكن الخرائط الطائفية والذهنية السياسية لا تتغير كثيراً.
· التاريخ هو الشرعية السياسية الأولى: في لبنان، لا تسأل عن البرنامج الانتخابي بقدر ما تسأل: "من كنت معه في الحرب؟ ماذا فعل أجدادك في المتصرفية؟ هل شاركتم في الاستقلال الأول أو الثاني؟" صار تاريخ العائلة أو الطائفة هو الهوية السياسية.
· غياب التاريخ الرسمي الموحد: لا يوجد كتاب تاريخ لبناني واحد متفق عليه بين الطوائف. لكل طائفة روايتها للسبب نفسه لكل حرب. ولهذا السياسة اللبنانية ليست صراع أيديولوجيات، بل صراع "روايات تاريخية" لا تلتقي أبداً.
رابعاً: الشخصية اللبنانية وجدلية الضدين
الشخصية اللبنانية ليست نتاج الطبيعة، بل نتاج التاريخ العنيف الذي لم يمهله ليتنفس. لذلك تجد فيها:
· عبقرية فوضوية: يصلح سيارته بأدوات المطبخ، ويؤسس مشروعاً في قبو بيته، ويبني علاقات دولية في مقهى.
· ازدواجية مراوغة: لسانه بالفصحى يمدح الدولة، وقلبه بالعامية يلعنها، لكن يديه تعملان دائماً للحفاظ على "العائلة" أولاً.
· فكاهة سوداء: تحول السياسي إلى نكتة والوزير إلى كاريكاتير. أقوى أسلحة اللبناني هي الضحك على جراحه، لأن البكاء الطويل قتل.
· تشاؤم مريح: يؤمن بأن المستقبل أسود، لكنه يخطط لحفلة غداً. هذا ما يفسر "أزمة الأمل اللبناني": لا يتوقع شيئاً جيداً من الدولة، لكنه لا يفقد الشغف بالحياة.
خامساً: العمق الإنساني... قاهر الموت بعشق الحياة
وهنا نصل إلى لُب القصة: المجتمع اللبناني هو الوحيد في المنطقة الذي يمارس "قهر الموت" بطريقتين متضادتين ومتكاملتين:
1. قهر الموت بعشق الحياة: على الرغم من الانفجارات والأزمات الاقتصادية والاغتيالات السياسية، يظل اللبناني يرقص على أنقاض بيته. المهرجانات لا تتوقف، والمطاعم تمتلئ، والشابات يتزينَّ، والشباب يحلمون بالسفر. إنه يقول للموت: "لا تخفني، فأنا سأعيش اليوم كأنه عمري كله". هذه الفلسفة تجعل منه إنساناً حسياً، يحب القهوة والعطر والأغنية، ويؤمن أن "الدنيا مرة لكن السكر موجود".
2. قهر الموت بالموت واقفاً لا يسقط: اللبناني لا يموت جالساً. إذا حضر الموت، فإنه يواجهه صامداً، وعيناه مفتوحتان إلى آخر لحظة. هذه سمة ظهرت في الجنوبين (جنوب لبنان والجنوب الغربي)، وفي الثورات الشعبية (ثورة 17 تشرين 2019)، وفي الحياة اليومية العادية: الأب الذي يعمل في ثلاث وظائف ليبقي أولاده في المدرسة، والأم التي تدير بيتها في ظل انقطاع الكهرباء والدواء، والشاب الذي يختار البقاء في بلده رغم كل شيء، ويقول: "إذا سقط لبنان، أسقط معه واقفاً".
إنه ينتصر على الموت بعدم الخضوع له. في الثقافة اللبنانية، الاستسلام للموت هو الخزي الأكبر. لهذا يصرون على "الموت الكريم" حتى في لحظات الفقد الجماعي. شهداء 4 آب لم يكونوا ضحايا فقط، بل رموز لمن "سقطوا وهم واقفون" في وجوه السلاح والصمت الدولي.
سادساً: الفلسفة الختامية - لماذا لبنان مسرح بلا منصة؟
لبنان يرسم لنفسه فلسفة وجود من وحي ألمه. إنه يقول للعالم: "نعم، أنا ممزق بين 18 طائفة، وأكثر من 60 حزباً، وتناقضات لا تحصى... لكن هذا التمزق هو بالضبط ما جعلني إنساناً عالمياً بامتياز".
فاللبناني يعرف عن الآخر صلابته، وعن محيطه عروبته، وعن الغربي حداثته، وعن الشرقي روحانيته. لكنه لا ينتمي لأي منهم تماماً. هو إنسان "اللا هوية الأحادية"، الذي أسقطته تقاطعات التاريخ ليقف في منطقة وسطى مريعة، ثم جعل من هذه المنطقة المريعة مرآة لكل إنسان في العالم يبحث عن ذاته في صراع الأضداد.
الخاتمة: إلى الباحث عن الحقيقة
إذا أردت دراسة التاريخ والسياسة على مسرح الواقع الحي النابض؛ إذا أردت أن تفهم كيف يتحول الإنسان إلى فلسفة، وكيف يمكن لفكرة أن تصبح حالة عشق للموت والحياة معاً؛ إذا أردت أن تختبر كل نظريات الصراع والبقاء والنضال الإنساني دون أن تقرأ كتاباً واحداً... عندها أذهب إلى لبنان.
ستجده هناك: الإنسان الذي قهر كل شيء إلا حبه للحياة، والموت واقفاً بكرامة في مواجهة كل ما يريد إسقاطه. ستجده يضحك من قلب جروحه، ويعشق من قلب خسائره، ويؤمن بأن الكرامة مرتبطة بالحياة، والحياة بلا كرامة لا شيء، وأن سقوط الجسد لا يعني أبداً سقوط التصفيق لهذا الجسد الطاهر.
وآنذاك لن ترى لبنان مجرد دولة، بل ترى درساً إنسانياً كاملاً عنوانه: "كيف تتحول التناقضات إلى قوة، وكيف ينتصر الحب على الحقد، وكيف يظل الإنسان واقفاً... حتى وهو يسقط".
"لبنان: حيث الحياة لا تموت، والموت لا ينتصر، والسياسة تكتب تاريخها كل يوم بدماء الأحياء وأحلامهم".
نبض