قراءة ديبلوماسية في خطاب الرئيس اللبناني جوزاف عون في قبرص
جبران الخوري*
شكّل خطاب رئيس الجمهورية جوزاف عون في نيقوسيا في الاجتماع غير الرسمي لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي، في حضور قادة دول الجوار الجنوبي، الذي دعت اليه قبرص في سياق رئاستها للاتحاد، مناسبة مفصلية لقراءة تموضع السياسة الخارجية اللبنانية في لحظة إقليمية دقيقة.
عرض الرئيس عون في كلمته "انخراط لبنان في مساٍر تفاوضيٍّ دبلوماسيٍّ برعايةِ الولاياتِ المتَّحدة الأميركيَّة، وبدعٍم من الاتِّحاد الأُوروبيِّ والدولِ العربيَّة، بهدف التوصُّل إلى حلٍّ مستدام، يضعُ حدَّاً للاعتداءات الإسرائيلية، ويؤدِّي إلى الانسحابِ الإسرائيلي الكامل خلفَ الحدود المعترف بها دولياً، مما يتيحُ بسطَ سلطةِ الدَّولةِ على كامل أراضيها."
فبينما سعى الخطاب إلى استقطاب دعم أوروبي سياسي واقتصادي، برز في مضمونه تناقض واضح بين الخطاب المُعلن حول "الشراكة مع أوروبا" والممارسة الفعلية التي تميل نحو تكريس المسار الأمريكي كمرجعية شبه حصرية لإدارة الملف اللبناني، ولا سيما في ما يتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل.
يُظهر الخطاب غياباً لافتاً لأي مطالبة جدية بدور أوروبي فاعل، وتحديداً فرنسي، في المفاوضات الجارية في واشنطن. هذا الغياب لا يمكن قراءته كإغفال عابر، بل كتحوّل في مقاربة الدولة اللبنانية نحو قبول رعاية أميركية شبه حصرية.
تاريخياً، شكّل الدور الفرنسي عنصر توازن في مقاربة الغرب للملف اللبناني، خصوصاً في سياق تطبيق القرار 1701 ومهام قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، اليونيفيل.
إن تغييب هذا الدور يضعف القدرة التفاوضية اللبنانية عبر فقدان "رافعة تعددية" داخل المعسكر الغربي نفسه، ويجعل لبنان أكثر عرضة لشروط تفرضها ديناميات القوة الأميركية–الإسرائيلية.

رغم دعوة الخطاب إلى "شراكة أعمق" مع الاتحاد الأوروبي، إلا أن هذه الدعوة تبدو أقرب إلى مقاربة اقتصادية–تمويلية منها إلى شراكة سياسية متكاملة.
إذ يغيب عن الخطاب أي تصور لدور أوروبي في صناعة القرار الاستراتيجي، مقابل حضور واضح للولايات المتحدة كفاعل مهيمن.
هذا التناقض يُنتج ما يمكن تسميته بـ"ديبلوماسية الاستجداء"، حيث يُطلب الدعم المالي الأوروبي لإعادة الإعمار، في حين يتم تهميش أوروبا سياسياً في الملفات السيادية.
بذلك، تتحول العلاقة مع أوروبا إلى علاقة مانح–متلقٍ، بدل أن تكون شراكة قائمة على توازن المصالح والتأثير.
يُسجَّل على الخطاب أيضاً إغفاله للدور التاريخي الذي لعبته فرنسا في لبنان، سواء على المستوى الدبلوماسي أو العسكري ضمن إطار اليونيفيل. هذا التجاهل لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يمتد إلى إضعاف إمكانية توظيف هذا الرصيد التاريخي كأداة دعم في مواجهة الضغوط الإقليمية.
في هذا السياق، فإن عدم استثمار العلاقة مع باريس، التي غالباً ما تبنّت مقاربات أكثر توازناً مقارنة بالنهج الأمريكي، يُعد تفويتاً لفرصة استراتيجية كان يمكن أن تعزز موقع لبنان التفاوضي.
في الوقت الذي دعا فيه إيمانويل ماكرون إلى تعزيز "الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية" وتقليص الاعتماد على المقاربات الأحادية، جاء خطاب عون متباعداً عن هذا التوجه، بل متقاطعاً ضمنياً مع منطق التفرد الأمريكي.
كما يبرز التناقض أكثر عند مقارنته بمواقف إسبانيا بقيادة بيدرو سانتشيث، التي أظهرت استعداداً لمعارضة بعض توجهات السياسة الخارجية الأميركية، حتى ضمن إطار حلف شمال الأطلسي. في المقابل، يبدو الموقف اللبناني أقرب إلى التكيّف مع هذه السياسة بدل التفاوض معها.
يؤدي هذا التموقع إلى إعادة تعريف ضمني لمفهوم السيادة، بحيث تصبح مرتبطة بإدارة الأزمة ضمن إطار خارجي محدد، بدلاً من أن تكون نتيجة توازنات دولية متعددة.
الانخراط غير المشروط في المسار الأمريكي يحدّ من هامش المناورة، ويحوّل لبنان من فاعل تفاوضي إلى ساحة لتقاطع المصالح.
بالنهاية، يمكن القول إن خطاب الرئيس جوزاف عون في نيقوسيا كرّس مفارقة أساسية، وهي استخدام المنصة الأوروبية لطلب الدعم، مقابل تكريس المسار الأمريكي كمرجعية حصرية للقرار السياسي.
هذه المقاربة تضعف موقع لبنان التفاوضي، وتعمّق اختلال التوازن في علاقاته الدولية، وتحدّ من قدرته على توظيف التعددية الدولية كأداة لحماية سيادته.
بناءً عليه، فإن أي مقاربة بديلة يجب أن تنطلق من إعادة تفعيل التوازن بين الشركاء الدوليين، بدل الارتهان لمسار أحادي، بما يتيح للبنان استعادة هامش المبادرة في إدارة أزماته.
*ماجستير في إدارة الشؤون الدولية والديبلوماسية
نبض