وطني يتيم الأبناء
ريمون مرهج
أتصبّر مذهولاً صامتاً يا وطني أمام هول مشهد الأحداث التي تجري في ربوعك فأشعر بوخز خناجر العار لما يصيبك من أبنائك. الكلّ يدّعي أنّه يحبّك ويدافع عنك، الكلّ يغتال سيادتك ويطيح بأرضك ومستقبل أولادك بحجة الدفاع عنك. ممزق أنت يا وطني، مشرذم، مذبوح، معذّب، ولكنّ الوجع الأكبر هو أنّ مصابك اللاذع القارص سببه أبناؤك وسكانك.
جميعهم يدعون الانتماء إليك، والإخلاص والاستبسال في الدفاع عنك. ولكن الحقيقة المرّة أنّك لست من أولويات حياتهم وانتمائهم إليك، فأسبقيّات بعضهم إيران، والبعض الآخر أميركا والخليج، وأفضليات آخرين أوروبا، وبعضهم تركيا، وهناك أيضاً من يهوى الانتماء إلى العدو، ولو سراً، فأقف مدهوشاً أمام هذه الكارثة الكبرى، وأصرخ بصوت عال: أيّ منهم هو منك يا وطني؟ أي منهم هو لبناني فقط؟ لبناني وحبه الأول والأخير لك يا سيدي، يا بلدي المجروح المعذب المطروح أرضاً، وتنزف من سهام من وُلد في أحشائك وتربّى بين ربوعك، وتنشّق هواءك، وارتوى الحياة من جداولك. قل لي يا وطني من فيهم منك، وأخبرني به لألقاه وأحضنه وأقبّل جبينه! قل لي من فيهم لبناني كي أبوح لأولادي عنه، عن قيمه وتاريخه وفكره وعشقه الكبير لك للبنان الحبيب! حدّثني عنه، ودلّني عليه، فأنا محتاج للبناني، انتماؤه لك وحدك، يحمل علمك وأرزك بيد، والإخلاص، والوفاء، والصدق، والحق والولاء لك وحدك بيد أخرى.
أتأمل شعوب العالم وولهها بحب أوطانها، وكيف يتباهون بولائهم وجنسيّاتهم أمام الآخرين، وتخنقني الغصّة حينما أرى أبناء بلدي يتميّزون باللامبالاة والكراهية والخجل بك، ويبيعون قيمهم ووطنيتهم من أجل المال والولاء لدول أخرى، ثم يدّعون الدفاع عن طائفتهم ليستروا عارهم، وليشدّوا عصب قبيلتهم، مدّعين أنّهم مستهدفون ومهدّد وجودهم، فيتبخّر اسمك عن ألسنتهم، وتغدو قصة خرافية لا قيمة لها في حياتهم اليومية.
وطني لبنان، يا عشق الأنبياء والقديسين، يا من هواه الأدباء والفلاسفة والمبدعين، يا درّة الكون في عالم يتسابق لتدميرك واحتلالك باسم الديمقراطية والإنسانية، والهدف الأساس الاستيلاء عليك، لأنك أغلى الأوطان وأجملها، ولأنك بكل بساطة وطني لبنان.
نبض