المطرقة و السندان
طلال خواجة
في اليوم التالي لإطلاق الصواريخ الستة التي أشعلت حرب إسناد إيران، دخل أحد الصناعيين النواب غاضباً إلى لقاء تلفزيوني متهما "حزب الله" بالخيانة و بجرّ البلد المنكوب أصلا من حرب إسناد غزة إلى حربٍ مدمرة، ربما كان ينتظرها الوحش الإسرائيلي بفارغ الصبر.
طبعا هذا الإتهام ليس بحاجةٍ الى تحقيق، إذ أن المتهم لم يضبط متلبساً فحسب، بل تفاخر بفعلته.
فقد اعتبر الأمين العام للحزب نعيم قاسم أن الكارثة التي حلت بمليون نازح هي مساهمة "نضالية" من النازحين اللبنانيين بالثأر لمقتل الولي الفقيه. لا حاجة للتذكير بأن السيد نصرالله القائد الكاريزماتي لـ"حزب الله" وإبن خالته السيد صفي الدين قتلا مع صحبهما في عمليتين مزلزلتين، من دون ردٍّ جدي من الحزب الإلهي و الحرس الثوري. ربما أصبحت الشهادة نوعين واحدة بسمنة للأصيل وواحدة بزيت للوكيل. كما تحول الرقم مليون إلى رقم شؤم في لبنان، فلطالما رمز الى مأساة النزوح التي تنتج من حروب "حزب الله" العبثية. أتذكر مقالاً لي بعد حرب 2006 التي استجرها "حزب الله" في أعقاب فشل المحادثات النووية بين إيران و الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعنوان "من مليون سائح إلى مليون نازح إلى مليون مهاجر". و حسنا فعل بعض القرى الصامدة من خارج البيئة المنكوبة بالتمسك بالأرض رغم خطورة الحرب وقساوتها.
بالعودة إلى النائب الغاضب أذكر أنه حاذر في انتخابات2022 التعاون مع مرشحين يعتبرون "حزب الله" واجهةً للإحتلال الإيراني غير المباشر للبنان. وهذه كانت حال معظم فئات الطبقة السياسية اللبنانية، بما فيهم ألد خصوم "حزب الله" من عتاة السياديين، حتى أن أبرزهم، في جوابه عن سؤال عن "الإحتلال الإيراني" تساءل متهكما أين هي حواجز الجيش الإيراني؟ غامزاً من قناة "المجلس الوطني لرفع الإحتلال الإيراني عن لبنان" الذي جمع نخباً سياسية و ثقافية وإعلامية ونقابية.
و عوض البحث عن حلٍ وطني للأزمات السياسية والسيادية والإقتصادية المتفجرة بالإستناد إلى الدستور، ذهب البعض إلى استنساخ ثنائيةٍ مارونية في مقابل ثنائية شيعية وإلى قانون انتخاب مذهبي.
كما أن حلف الميليشيا والمافيا لم يكن بلا أسس، خصوصاً أنه عجّل الإنهيار النقدي والمالي والإقتصادي وتفكك أواصر الدولة، واضعاً البلد على كفّ عفريت.
في واقع الأمر، فإن الطائفية والفئوية والشخصانية والإنتهازية السياسية التي طبعت الكثير من القوى والمجموعات، ساعدت "حزب الله" على تجاوز انتفاضتين تاريخيتين غير مسبوقتين.
فقد نجا الحزب من الإنتفاضة الإستقلالية الآذارية باللجوء الى الإغتيال والإرهاب في الداخل وباستدعاء الحرب مع إسرائيل، و نجا من الإنتفاضة الإجتماعية التشرينية بالبطش و القمع والاحتواء، ساعده في ذلك إختراقه مفاصل الدولة العميقة بمساعدة قوى طائفية متعطشة للسلطة و مغانمها.
هكذا أدى صعود ميليشيا "حزب الله" الإيرانية إلى ترسيخ نمطٍ متدن من الحياة السياسية في ظل فائض قوة مدججة بالسلاح و الإيديولوجيا، خصوصاً بعد انسحاب القوات الإسرائيلية سنة 2000 ومنع انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، واستحضار مزارع شبعا وتحويل الحدود اللبنانية الفلسطينية إلى خطوط تماسٍ إقليمية ودولية بإشرافٍ إيراني.
لقد ارتُكبت الأخطاء خلال مرحلة صعود فائض القوة وبات "حزب الله" مرآةً للكثيرين بمن فيهم الأخصام الذين قبضوا على طوائفهم بدل أن يقبضوا على الدستور. عسى ألا يكمل البعض بالأخطاء المعكوسة في مرحلة الهبوط التي بدأت مع الطوفان والتي تتابع انحدارها المروع بحروب الإسناد، دعك من ادعاءات الإنتصار الجوفاء التي أعادت الإحتلال و التدمير و التهجير.
لم يكن انتخاب جوزف عون ممكناً لولا هذا الهبوط. ولم نكن لنسمع كلمة جريئة وواضحة ومسؤولة من بعبدا في مرحلةٍ بالغة التعقيد والخطورة، بينما يطل أصحاب الخط البائس إياه لمحاولة الإستثمار من فوق الدمار.
و بالطبع لم يكن تكليف القاضي نواف سلام ممكناً لولا هذا الهبوط.
و بالمناسبة، فإن كلمة الرئيس سلام في ذكرى 13 نيسان أعادت بموضوعيتها التوازن إلى المشهد السياسي والوطني والعربي. ذلك أن بعض من يقف على الضفة اليمينية، إذا جاز التعبير، بات يبالغ في سرديته الفئوية للأحداث ومقاربته الطائفية للأزمات، بما يحمل خطورة على العقد الإجتماعي والوطني والعيش الواحد، وكأنه ينظر في مرآة الطرف الطائفي المسلح في مرحلة الهبوط الخطرة، علماً أن بعض "اليساريين التائبين" يصرخون mea culpa.
وبغض النظر عن السرديات المختلفة، فإن أكثرية اللبنانيين يرون أن لبنان بات محشوراً بين المطرقة الإسرائيلية والسندان الإيراني، ما يستدعي أكبر حشد وطني ممكن لسحبه من هذه "الحشرة" قبل أن يسحق، خصوصاً أن الشهوة الإسرائيلية تزداد انتفاخاً.
و يبقى سؤال المليار دولار مطروحاً:
ما العمل لتفكيك البنية العسكرية لـ"حزب الله" و رفع الهيمنة الإيرانية ومواجهة الخطر الاسرائيلي في آن واحد؟
-أولا: الإستفادة من دعم الأشقاء العرب والاصدقاء الدوليين الكثر وإحاطتهم، في التفاوض المباشر المرعي اميركياً، علماً أنه لقي تأييداً وطنياً و سياسياً و شعبياً كبيراً.
-ثانيا:
أ- تنفيذ قرارات الحكومة المتعلقة بحصر السلاح وبسط سيادة الدولة ولو بخطواتٍ متدرجة، كما حصل في قرار"بيروت منزوعة السلاح" الذي يجب أن ينفذ كاملاً رغم التهويل. فلا قدرة لـ"حزب الله" على 7 أيار جديداً. علما أن استهدافاتٍ أخرى ممكنة مع تقلص الهامش اللبناني للحزب واختناق مشروعه وتدهور بناه القيادية.
ب- على السلطات إنجاز تغييرات نوعية في مفاصل الدولة العميقة المخترقة للعضم.
-ثالثاً:
أ-حشد القوى المدنية والشعبية والسياسية العابرة للطوائف والمناطق، خلف قرارات الدولة.
ب-الإحاطة بحاجات النازحين والمتضررين والمنكوبين والمقهورين والمهمشين، والعمل على حشد المؤازرة من الاخوة والاصدقاء الذين بدأوا يلمسون شفافيةً وبعض الخطوات الجدية في مواجهة الفساد وفي الإصلاح الإقتصادي و المالي.
ج- الإرتفاع بالأداء السياسي السيادي على رافعة "كلنا لبنانيون وسلاحنا الدستور"، نربح جميعاً أو نخسر جميعاً.
نبض