عرش الياسمين: حين يصبح الجمال ضرورة لا ترفاً
إلياس عيسى إلياس
ليس الإنسان مجرد رصيد من المعلومات، بل كائن يُقاس بقدرته على الدهشة. إن الانقسام الحاد الذي نلمسه اليوم، حيث يُحتفى بالناجحين مهنياً وكأنهم آلات صماء للإنتاج، يغفل حقيقة جوهرية: قيمة الكائن البشري تكمن في قدرته على الربط بين "برودة المنطق" و"حرارة الروح". إننا في سباقنا المحموم نحو التخصص وتكديس الإنجازات، نكاد نفقد البوصلة التي تمنح للنجاح طعماً إنسانياً، وتحوله من مجرد رقم وظيفي إلى تجربة حياة.
فالذكاء الذي لا يتهذب بالجمال يحول الفرد إلى كيان بارد، يؤدي مهامه بكفاءة مذهلة لكنه يمر بالحياة دون أن يلمس جوهرها. وما نفع العمارة الشاهقة إذا كانت نوافذها لا تطل على حديقة؟ وما جدوى العقل المنظم إذا كان عاجزاً عن التوقف أمام انسكاب الضوء على جدار عتيق، أو استشعار رائحة الياسمين وهي تعبر زقاقاً منسياً في زحام المدن؟ إن هذا التوازن المفقود بين الإنجاز والإحساس هو ما يحدد المسافة بين أن "نوجد" كأرقام، وأن "نحيا" كبشر يدركون سحر التفاصيل الصغيرة.
وهنا، نستمد من الميثولوجيا الكنعانية القديمة أسطورة التوأمين "شَحَر" و"شَلَم" لفهم عمق هذا التوازن؛ فبينما يمثل "شَحَر" إله الفجر والوضوح الذي يكشف التفاصيل المادية، يمثل توأمه "شَلَم" إله الغسق والسكينة والاكتمال. لم يكن الكون يستقيم بأحدهما دون الآخر، لكن إنسان العصر الحديث بات يعيش في "فجر" وظيفي دائم، يعميه ضوؤه الباهر عن سحر التأمل. إننا بحاجة ماسة لاستعادة "شَلَم" في أرواحنا؛ تلك المساحة من الغسق الداخلي التي تسمح لنا بالهدوء، وتذوق الفنون، واستعادة أنفسنا بعد ضجيج النهار الطويل.
إن الحياة الحقيقية لا تُدرّس في قاعات المحاضرات، بل تُعاش في تلك اللحظات التي قد يظنها البعض هامشية، وهي في واقع الأمر النبض الذي يحرك الوجود. إن اختيارنا للون معين، أو انحيازنا لغناء يعيد ترتيب ذكرياتنا، ليس مجرد عبث، بل هو فعل "أنسنة" للعالم. وحين يغيب هذا البعد الجمالي، يصاب الإنسان بجفاف داخلي ويصبح غريباً عن نفسه حتى وهو في قمة مجده. فالفنون ليست كماليات، ولا وسيلة لملء الفراغ، بل هي "الملح" الذي يحمي الروح من التعفن في قوالب المادة الصرفة والمنفعة المباشرة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نرى في تذوق الجمال رتبة تجعل البعض أعلى من الآخرين، بل هي دعوة للتكامل؛ فالعالم يحتاج إلى صرامة المهندس ورقة الشاعر مجتمعتين في ذات واحدة. الإنسان الكامل هو ذاك الذي يبني الجسور بين عقله وقلبه، مدركاً أن الطريقة التي نجلس بها، وكوب الشاي الذي نعده بحب، وحساسيتنا تجاه الأصوات، كلها لغات خفية تعبر عن عمقنا.
في نهاية المطاف، لن نُسأل فقط عما أنجزناه من مهام، بل عما شعرنا به ونحن ننجز، وعن تلك اللحظات التي هزت كياننا دون سبب مادي واضح. فالجمال حين يتحول إلى "دستور" للحياة، يمنحنا القدرة على الصمود ويجعل من وجودنا رحلة إنسانية تستحق أن تُعاش بكل تفاصيلها.
لأن النجاح بلا دهشة هو هزيمة أنيقة.
نبض