جغرافيا "المنطقة الرماديّة"... حزام إسرائيل الأمني يبتلع الهدنة في جنوب لبنان

منبر 24-04-2026 | 12:16

جغرافيا "المنطقة الرماديّة"... حزام إسرائيل الأمني يبتلع الهدنة في جنوب لبنان

في انتظار ما ستسفر عنه الأيام، يبقى الجنوب معلقاً بين وقف إطلاق نارٍ يحرسه الدخان، وحزامٍ أمني يخنق القرى، وخريطةٍ إسرائيلية تسعى لتحويل "المؤقت" إلى "أبدي"...
جغرافيا "المنطقة الرماديّة"... حزام إسرائيل الأمني يبتلع الهدنة في جنوب لبنان
يزيلون أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية، بحثًا عن ناجين، في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان، في 21 أبريل 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

سهاد شقير*

لم يعد ما يجري جنوب الليطاني مجرّد خروقات عابرة لاتفاق هشّ، ولا حوادث ميدانية تُقرأ على هامش البيانات العسكرية. ما يجري، في ضوء ما تكشّف خلال الساعات الأخيرة من خرائط ورسائل وإنذارات، هو إعادة كتابةٍ مفتوحة لجغرافيا الجنوب اللبناني، بقلم إسرائيلي وحبر من ركام.

فبينما يُفترض بوقف إطلاق النار، الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السادس عشر من نيسان الجاري لمدة عشرة أيام، أن يكون مدخلاً إلى تهدئة تُفضي إلى تسوية، عاد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي الناطق بالعربية، المقدّم أفيخاي أدرعي، ليُذكّر الجميع بأن "الهدنة" في القاموس الإسرائيلي ليست مرادفاً للانسحاب، بل لإعادة الانتشار. ففي رسالة وصفها بـ"العاجلة والملحّة" إلى أهالي الجنوب، كتب: "يواصل جيش الدفاع الإسرائيلي الانتشار في مواقعه في جنوب لبنان في مواجهة النشاط الإرهابي المتواصل لحزب الله"، قبل أن يُسمّي ـــ قريةً قريةً ـــ عشرات المناطق التي باتت محظورة على أبنائها: من بيت ياحون إلى مرجعيون، ومن ميس الجبل إلى عيناتا، مروراً بكفركلا وبنت جبيل ومارون الراس، وصولاً إلى ضفاف الليطاني ووادي السلوقي.

لائحة طويلة... وخريطة أطول
القراءة المتأنية لرسالة أدرعي تكشف أن ما يُراد ترسيمه ليس خطاً أمنياً عابراً، بل "حزام" يمتدّ على قرابة خمسٍ وخمسين قرية، وفق ما أفادت به مصادر عسكرية إسرائيلية. وقد ترجم الجيش الإسرائيلي هذه النيّة إلى وثيقة رسمية يوم الأحد، حين نشر على قناته في تلغرام ما أسماه "خط الدفاع الأمامي"، معلناً أن "خمس فرق عسكرية، إلى جانب قوات من سلاح البحرية، تعمل في آنٍ واحد جنوب هذا الخط"، في ما يشبه إعلان وصاية ميدانية مفتوحة الأجل.

الخريطة التي حصلت عليها وكالة "رويترز" وتداولتها وسائل إعلام دولية، تُقسّم الجنوب إلى ثلاث طبقات أمنية متدرّجة: شريط حدودي عازل يُعدّ خطّ الدفاع الأول، ثم منطقة عملياتٍ دائمة تمتد جنوب الليطاني بعمق يتراوح بين خمسة وعشرة كيلومترات، وصولاً إلى طبقة ثالثة تتحوّل بموجبها الورقة العسكرية إلى أداة ضغطٍ سياسي على الدولة اللبنانية بأسرها. نحو ثمانية في المئة من مساحة لبنان باتت، وفق هذه الرؤية، رهينة جدول أعمال قائد الأركان الإسرائيلي.

هدم "على الطريقة الغزّية"
ما يزيد المشهد قتامة أن "الحزام" لا يُرسَم بالحبر وحده، بل بالجرّافات. فقد كشفت صحيفة هآرتس، نقلاً عن ضباط في الجيش الإسرائيلي، أن عمليات هدم ممنهجة للبنى التحتية المدنية من منازل ومدارس ومبانٍ عامة تجري يومياً داخل المناطق المحتلّة، بواسطة مقاولين مدنيين وآليات ثقيلة، وفق سياسة وصفها أحد الضباط بأنها "تطهير للمنطقة" على غرار ما يجري في قطاع غزة. المشهد المتكرّر من قريةٍ إلى أخرى ـــ بيوت تُسوّى بالأرض، وبساتين تُحرث بالكلاب الآلية ـــ لا يحتمل سوى تأويل واحد: منع العودة، وإفراغ الجغرافيا من بشرها قبل إفراغها من حجرها.

وقبل أيام، بلغ هذا النهج ذروته الرمزية حين فجّر الجيش الإسرائيلي جسر القاسمية، خامس الجسور وآخرها على الليطاني وأكبرها. قطعُ هذا "الشريان"، بحسب توصيف مسؤول أمني لبناني، لم يعد إجراءً لوجستياً، بل هو إعلان عملي بأن الجنوب صار جيباً معزولاً عن أمّه الكبرى لبنان، تُمسك إسرائيل بمفاتيح دخوله وخروجه.

وقف إطلاق نار... بنصف قلب
في الخلفية، يتحرّك الخطاب السياسي الإسرائيلي على إيقاعٍ يتناقض جهاراً مع نصّ الهدنة. فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أعلن موافقته على تهدئة العشرة أيام، مشترطاً إبقاء القوات داخل "حزامٍ أمني معزّز". ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ذهب أبعد، معلناً أن الجيش تلقّى تعليمات باستخدام "القوة الكاملة، براً وجواً، حتى أثناء وقف إطلاق النار"، وأن مهمّته تشمل "إزالة المنازل في قرى خط المواجهة التي خدمت بالمطلق كمواقع إرهابية لحزب الله". أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، فقد رفع السقف إلى حدّ المطالبة بضمّ الأراضي حتى الليطاني، في تغريدة اختُصرت فيها أحلام اليمين المتطرّف الإسرائيلي بصيغة قانونية عارية.

على الضفة المقابلة، تتجرّع الحكومة اللبنانية كأس التصعيد قطرةً قطرة. الرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام رحّبا بالتهدئة، فيما ينخرط الجيش اللبناني في رصد الخروقات ورفع التقارير إلى لجنة الرقابة خروقات سجّلت الأمم المتحدة، قبل الحرب الحالية، ما يزيد على خمسة عشر ألفاً منها في أعقاب اتفاق تشرين الثاني/نوفمبر 2024، بما يُفرغ عبارة "وقف إطلاق النار" من أيّ مضمون سوى تجميد صوت المدفعيّة في الإعلام لا في الميدان.


صدى تاريخي... وعودة مفردات "الحزام الأمني"
ليس في ما يجري الكثير من الجديد على المستوى الاستراتيجي. فاسم "الليطاني" ليس طارئاً على قاموس الحروب الإسرائيلية؛ بل هو عقدة تتكرّر منذ عام 1978، حين أطلقت إسرائيل "عملية الليطاني" الأولى، مروراً باجتياح 1982 الذي انتهى بمستنقعٍ دام ثمانية عشر عاماً، وصولاً إلى حرب تموز 2006. وفي كل مرّة، كانت الذريعة المباشرة حاضرة: مرّةً انطلاقاً من وجود منظمة التحرير الفلسطينية المسلّح على الأرض اللبنانية، ومرّةً انطلاقاً من سلاح "حزب الله" وعملياته، غير أنّ إسرائيل كانت تتعامل مع هذه الذرائع بوصفها فرصةً تُراكم عليها هدفاً أبعد وأقدم: السيطرة على مجرى النهر، وفرض "حزامٍ أمني" في الشريط الحدودي يتجاوز حدود الردّ الآني على أيّ تهديد.

ومع عودة الحديث اليوم عن "حزامٍ أمني" و"خط دفاع أمامي" و"منطقة عازلة"، يحقّ السؤال: هل نحن أمام إعادة إنتاج للسيناريو القديم بأدوات جديدة، أم أمام نسخة أشدّ قسوة تستعير من "النموذج الغزّي" ما يتّصل بتفريغ الأرض من أهلها قبل تفريغها من السلاح؟



العائدون... والمنع
في خضمّ هذا كله، يتحرّك الناس. عشرات الآلاف من النازحين الجنوبيين حاولوا، خلال الأسبوع الماضي، شقّ طريقهم جنوباً، بفرشٍ وحقائب وأعلام، بحثاً عن بيوتٍ ربما لم تعد قائمة، وعن أرض لا تزال ملكهم على الورق وإن أُخرجوا منها بالنار. بعضهم عبر الجسر المركزي الناجي من القصف. البعض الآخر وقف عند حدود البلدات المُدرجة على لائحة أدرعي، بين رغبة العودة ووعيد البيان. هنا تحديداً يُطرح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف سيتعامل الجيش الإسرائيلي مع عودةٍ شعبيّة جارفة إلى قرى جنوب الليطاني، وهل ستكون "خطوط الدفاع الأمامية" خطوط نار على مدنيّين عزّل؟

خلاصة: ما بعد البيان
قد يُجيز البعض قراءة بيان أدرعي على أنه إنذار وقائي يصون أرواح المدنيين من مناطق القتال. وقد يقرأه آخرون ـــ وهذه قراءة تفرض نفسها بقوّة المعطيات ــ على أنه إعلان ضمّ بحكم الأمر الواقع، يُلبَس ثوب "التحذير الإنساني". بين القراءتين، يبقى الثابت الذي لا يختلف عليه اثنان: أن الخريطة التي نُشرت ليست ورقة عمليات عابرة، بل محاولة لرسم حدودٍ جديدة بالعرف والاستخدام، قبل أن يُنقش النصّ في أيّ اتفاقٍ رسمي.

على بيروت أن تُدرك أن الصمت الديبلوماسي لم يعد خياراً، وأن "الحزام" الذي يتكوّن جنوباً ليس شأناً جنوبياً وحسب، بل امتحان سيادة يُجرى على كامل الأراضي اللبنانية. فالخريطة التي تُرسم اليوم بالجرّافات، إن لم تُواجَه بخريطةٍ مضادة من سياسةٍ وديبلوماسيةٍ وقانونٍ دولي، ستتحوّل غداً إلى أمرٍ واقع، يُشرح في كتب التاريخ على أنه "الحدّ الذي ارتضاه اللبنانيون" لا الحدّ الذي فُرض عليهم.

وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام، يبقى الجنوب معلقاً بين وقف إطلاق نارٍ يحرسه الدخان، وحزامٍ أمني يخنق القرى، وخريطةٍ إسرائيلية تسعى لتحويل "المؤقت" إلى "أبدي".. على أنقاض جغرافيا لم يرسمها أبناؤها، لكنهم وحدهم من يدفعون ثمن شطبها من التاريخ.

 

- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان 4/22/2026 10:26:00 PM
ما حصل مع آمال خليل قبل الاستهداف: تسلسل يكشف "جريمة موصوفة" بحق صحافيين في الطيري
لبنان 4/24/2026 6:10:00 AM
الامتحانات الرسمية في لبنان: هل تُجرَى في ظل كل الضغط النفسي الذي يعيشه التلاميذ؟ وهل من تقليص للمنهاج؟ مقابلة خاصة مع وزيرة التربية تُجيب من خلالها على تساؤلات الطلاب والأساتذة عبر "النهار"