وطأة التلاشي المعنوي

منبر 22-04-2026 | 12:26

وطأة التلاشي المعنوي

التلاشي، المصطلح الذي لطالما مثل أرقاً للذوات البشرية. ولا يقصد هنا بالتلاشي، الموت بمفهومه الضيق والمعنى الحرفي للكلمة وإنما ذلك الغياب الذي يجعل من مرور الذات مجرد حدث عابر، مآله النسيان
وطأة التلاشي المعنوي
تعبيرية
Smaller Bigger

إسماعيل الهدار - كاتب وشاعر تونسي


 

التلاشي، المصطلح الذي لطالما مثل أرقاً للذوات البشرية. ولا يقصد هنا بالتلاشي، الموت بمفهومه الضيق والمعنى الحرفي للكلمة وإنما ذلك الغياب الذي يجعل من مرور الذات مجرد حدث عابر، مآله النسيان. رغم أن وطأة التلاشي المعنوي للذات أشدّ قسوة إلا أننا نخشى هستيريا تقبل فكرة التواري المادي، ذلك الانسحاب القسري من الحياة. إذ يعجز الإنسان عن تقرير مصيره. ولعل ما يعمق ارتباكنا عشوائية لحظة الانسحاب وحتميتها، بحيث يفقد الإنسان أرقى خصائصه ومكتسباته ألا وهي الإرادة الحرة. 
لكن هل يجدر أن تهجر الذات إرادتها أمام متلازمة الموت؟ بمعنى آخر، ألا يمكن أن نجد تطبيقاتٍ للإرادة خارج السياقات المادية والحسية؟ ألا تشكل الأعمال والإنجازات التي حققتها الإنسانية، تجسيداً لإرادة ذوات شاءت مواصلة البقاء من خلال تشييد إرثٍ يتداول عبر العصور والتاريخ؟ 
وإذا ما سلمنا بهذا الإقرار، أليس من الإجحاف عدم الاكتراث لأهمية فكرة التواجد اللامادي؟ ألا يمكن الذات إرساء معادلة بين حقيقة الفناء الحسي وطموح البقاء الوجداني والمعنوي ضمن مجالات التفكير اليومية؟
إذن ما الموت ما لم يكن إلا حكماً تدريجياً بالنسيان سليطاً على الذات، يكون باتاً مع آخر مناشدة ترجمتها حدة الفقدان. إذ تظل الذات ذكرى إلى أن تحين لحظة الزوال الفعلية من الذاكرة. رغم أننا نتجنب الحديث عن فرضيات الزوال، إلا أننا نعجز عن تخليد تواجدنا. إذ يتطلب تجسيد فكرة الخلود بلورة إرثٍ تفيد منه الإنسانية والأجيال القادمة. وضمن هذا التحليل، يستعيد الإنسان إٍرادته الحرة والمطلقة حتى تتسنى له صياغة فصلٍ مغاير للمألوف. 
سيدي القارئ، لك أن تتخيل التناقضات الناشئة والمترتبة عن جدلية الفناء والسرمدية. كما أنه لا يمكن التغاضي عن تلك الأساطير التي أخبرتنا برحلة الإنسان في محاولة البحث عن ترياق الحياة وإكسيرها. هذا الترياق الذي يعكس تشبث الذات البشرية بهاجس البقاء على قيد الحياة، رغم أنها اقتصرت على دلالات التشبث والأزلية، إلا أنها تحمل في طياتها تجليات الإرادة. وفي ظل محدودية هذا التماشي الفكري للذات البشرية، أليس من الأرجح البحث في المعاني العقلانية والمنطقية المتصلة بمصطلح "صنيع الإنسان"؟ إذ أن من "الصنيع" انبثقت رغبة تشييد صرحٍ من التجارب والإنجازات. انطلقت رحلة الإنسان من خلال تأريخ بصمته وأثره.
وتجدر الإشارة، إلى أن فكرة العمل تعدّ من أسمى السلوكيات والأفعال التي اهتدت إليها ومن ثم طورتها الإنسانية. إنها آلة الزمن التي وهبت البشرية تلك الاستمرارية طوال عصورٍ خلت وأخرى قادمة لامحالة.
أوجد الإنسان العمل حتى يتسنى له حماية وجوده من اعتباطية المكوث ونمطيته. كما يتجلى هذا التشبث من خلال ارتباط فكرة العمل بدلالات القدسية. تلك الدلالات التي ارتقت بمعاني العمل إلى منزلة الصرح الذي لا يمكن المساس به. إذ يمكن الإنسان التخلي عن مقومات إنسانيته إلا أنه يخشى حتماً إنتهاك هالة العمل.
إن مفاد هذا التحليل يكمن في مدى سعينا للحفاظ على فكرة التواجد المعنوي في واقعٍ مادي، غير أن هذا البقاء رهن اكتشاف الذات لطرق المشاركة في تشييد الصرح الإنساني. عزيزي القارئ، لك أن تستشعر ذلك النجاح، تلك اللحظة التي تحاول من خلالها هزيمة فكرة التلاشي والنسيان.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
لبنان 4/21/2026 10:32:00 AM
طهران تتمسّك بالسيطرة على القرارات الإستراتيجية اللبنانية، بما فيها قرار الحرب والسلم من خلال "حزب الله"، وتطالب بأداء حكومي يمتثل لترك القرار العسكريّ والأمنيّ الإستراتيجيّ في لبنان لمحور "الممانعة"