الذبيح شاهداً: ثقافة التواطؤ الصامت

منبر 21-04-2026 | 12:23

الذبيح شاهداً: ثقافة التواطؤ الصامت

قبل خمسين عاماً، في أحد الأحياء القديمة، حدثت واقعة صغيرة لكنها ذات دلالات ثقيلة إجتماعياً وأخلاقياً. 
الذبيح شاهداً: ثقافة التواطؤ الصامت
تعبيرية
Smaller Bigger

أحمد شهاب-  الكويت

 

 

 

قبل خمسين عاماً، في أحد الأحياء القديمة، حدثت واقعة صغيرة لكنها ذات دلالات ثقيلة إجتماعياً وأخلاقياً. إمرأة لديها علاقات مشبوهة مع عددٍ من أصحاب النفوذ، إكتشف شقيقها أمرها فحاول ردعها ونصحها وإبعادها عن تلك الطريق، فلم تكتفِ برفض النصيحة، وإنما حرّضت عليه أصحاب السوء، فاستدعوه ومع حدّة الجدل وصلابة موقفه، تكالبوا عليه ضرباً وطعناً حتى أردوه قتيلاً، ثم دوّن الطبيب في الورقة الرسمية: "هبوط حاد في الدورة الدموية"، دُفن الشاب، ودُفنت معه الحكاية.

لكن هل دُفنت حقاً؟ أم أن الحكاية لا تزال حية كأنها حدثت بالأمس؟ فهي ليست حكاية شابٍ ذبيح وامرأةٍ خائنة ورجالٍ قتلة فحسب، ولكنها في جوهرها حكاية مجتمعٍ كان حاضراً لكنه غاب، وجيرانٍ رأوا وسمعوا لكنهم صمتوا، وأقاربٍ عرفوا وتنهدوا ثم عاد كل إلى بيته وقال في نفسه: "هذا ليس شأني"! وهنا يبدأ السؤال: كيف يمكن لمجتمعٍ أن يشهد جريمةً كاملة الأركان ثم ينام مرتاحاً ويتناسى الجريمة كأن شيئاً لم يحدث؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من أن ننظر إلى ما هو أعمق من الأخلاق الفردية، نحن أمام ظاهرةٍ يمكن تسميتها "التطبيع مع الصمت"، هذه الظاهرة تعني أن المجتمع ينتج أفراداً يتقنون فن تجاهل الخطأ، ليس لأنهم أشرار بالضرورة، بل لأنهم تعلّموا أن السلامة تكمن في عدم التدخل في المشاكل الاجتماعية. حتى الأمثال الشعبية التي نتداولها تعزز هذا الاتجاه: "الباب اللي يجيك منه الريح، سدّه واستريح"، و"اللي ما يعنيه، لا يتعناه"، هذه العبارات ليست حِكماً شعبية بريئة، بل هي أدوات تنشئةٍ تنتج ضميراً مشلولاً يرى الحق ولا يقوله، يرى الباطل ولا ينكره، ثم يبرر صمته بأن "هذا ليس من شأني".

في علم النفس الاجتماعي، هناك مفهوم يُعرف بـ"تأثير المتفرج"، مضمونه أن احتمالية تدخل الشخص في موقفٍ طارئ تتناقص كلما زاد عدد الحاضرين، لا لأن الناس قساة وانما لأن كل فرد ينتظر الآخر ليتحرك أولاً، وعندما يرى كل واحد أن الآخرين صامتون، يستنتج أن الموقف ربما ليس خطيراً، أو أن التدخل غير مطلوب، أو أن الصمت أسلم. 

وهكذا يتحول التوقع المتبادل إلى شللٍ جماعي، وإذا طبقنا هذا على قصتنا، فنجد أن الأقارب والجيران لم يكونوا وحوشاً بشرية لكنهم وقعوا ضحية الآلية السلبية نفسها، كل واحد ظن أن غيره سيتحرك، أو أن الموقف لا يحتمل التدخل، أو أن المتورطين "المتنفذين" لا يمكن محاسبتهم، وبمرور الوقت، تحول الصمت الفردي إلى صمتٍ جماعي، وتحولت الجريمة إلى "وفاةٍ طبيعية".

وهنا يتضح أن الصمت ليس غياباً للفعل، بل هو فعل سلبي، ومشاركة في الجريمة. فحين يصمت القريب فهو يشارك في القتل، وحين يغض الطبيب بصره، فهو يوقّع على شهادة وفاةٍ مزيفة. وحين يردد المجتمع "ليس من شأني"، فهو يقول عملياً للقاتل: "تابع جريمتك، نحن معك". إن ثقافة التواطؤ هذه تحول الضمير الحي إلى عائقٍ يجب التخلص منه، وتحول الشجاعة إلى تهورٍ، وتحول الصدق إلى حماقة.

لقد ذُبح الشاب ذي الاربعين عاما وكُتب أن موته كان "هبوطاً في الدورة الدموية"، لكنه في الحقيقة مات بهبوط الضمير الجمعي. ضمير المجتمع هبط، فسقط الجسد. هي ليست مجرد قصةٍ قديمة، لكنها نموذج مصغر لمرضٍ اجتماعي لايزال يعمل فينا، حين تُدفن الحقائق تحت أكوامٍ من الصمت، ظناً أنهم يحمون أنفسهم، بينما هم يدفنون إنسانيتهم الجماعية.

والغريب أن هذا الصامت الذي نتوارثه ثقافةً ونسميه حكيم، سماه النبي  شيطاناً أخرس، 
لقد رحل الذبيح الى ربه ، وماتت الأخت والقتلة، لكن ما غطّاه قلم الطبيب الزائف، لم يمحُ ما هو مكتوب في يومٍ لا تنفع فيه الأوراق الرسمية، حينها يُسأل الشاهد عن صمته قبل أن يُسأل القاتل عن فعله.