إلى الجليل دُر !
الاب ايلي قنبر
"1-لَمّا تَكاثَرَ ٱلتَّلاميذُ"
في إطار المسيرة الفصحيّة والمجتمعيّة "تَكاثَرَ ٱلتَّلاميذُ"، إذ "كانَ جَماعاتٌ مِن رِجالٍ وَنِساءٍ يَنضَمّونَ بِكَثرَةٍ مُؤمِنينَ بِٱلرَّبِّ" بالإضافة إلى انضمام عددٍ كبير من الكهنة اليهود "إلى الإيمان"، بسبب ما "جرى (على أيدي الرسل) من آياتٍ وعجائب كثيرة في الشعب". سبب التكاثر الإيمان بالربّ، لا البروباغندا ولا قوّة غاشمة (السلاح) ولا شراء الضمائر.
ما الذي جعل كثيرين يؤمنون بهذا الربّ، يسوع؟ بدايةً، وداعته وتواضع قلبه. ولدى المثابرة على التعاطي معه، يكتشف المرء رحمته الكبرى وتعاطفه غير المحدود، إلى مساندته الفعليّة لا الكلاميّة وحسب للآخَرين. تميّز يسوع أيضاً بعمقه، وبحياةٍ داخليّة غنيّة، من علاقته بالآب مصدر حياته ومن حقيقة اتّحاده الشديد بالناس والتزامه العظيم لقضاياهم وتحرّرهم. تكاثر "التلاميذ" أو الإخوة لأنّهم وضعوا يسوع نُصب أعينِهم، وجعلوه قَبلتهم واستقوا من إنجيله وحقّقوا ميدانيًّا مشيئة الآب. ولنا مثَل على ذلك الاهتمام الفَوري بأَرامِلَ "اليونانيّين" الّلواتي "كُنَّ يُهمَلنَ في ٱلخِدمَةِ ٱليَومِيَّة"، بحيث قام الرسل باختيار فريق خدمةٍ لهنّ "يُشهَدُ لَهُم بِٱلفَضلِ، قَد مَلَأَهُمُ ٱلرّوحُ ٱلقُدُسُ وَٱلحِكمَةُ، (ليقوموا) عَلى هَذِهِ ٱلحاجَةِ"، وبعدما "حَسُنَ ٱلكَلامُ لَدى جَميعِ ٱلجُمهورِ". وهكذا، "صَلّوا وَوَضَعوا عَلَيهِمِ ٱلأَيدي". ما جعل "كَلِمَةُ ٱللهِ تَنمو، وَعَدَدُ ٱلتَّلاميذِ يَتَكاثَرُ في أورَشَليمَ جِدًّا".
في زمننا، يتكاثر "التلاميذ" في أماكن معيَّنة ويتضاءل في أُخرى. ما يلفت في خلفيّة التكاثر هو ردّة الفعل على ماضٍ أو على تحدٍّ من انتشار دين أخَر. أمّا التضاؤل العدديّ فيعود إلى بعضٍ من اضطهادٍ - سياسيّ أو دينيّ - في أماكنٍ معيَّنة، والأكثر جرّاء التفلّت من القيَم والمبادݵ والعيش في أجواءٍ من الانحلال الخُلُقيّ، بلا رقابةٍ ذاتيّة أو مجتمعيّة.
2-"يا رَبُّ خَلِّصِ ٱلمَلِك"
يطلب داود في أحد مزاميره المعونة الإلهيّة للملِك ليكون حكيماً وعادلاً. هي صلاة لأجل سلام الرعية واستقرارها بعيداً من الاتّكال على عربات القتال، لأنّ "قلب الله تمزّقه الحروب والعنف والمظالم والكذِب". فنجاح الملك في أداء مسؤوليته هو خير للجميع. المصير مشترك بين الملِك والشعب. وإذا تبنّت الجماهير هذه الصلاة فتكون تعبيراً "عن ثقة المؤمنين بأن الله هو الملك الحقيقي والمنقذ، وأن استجابة الله للملك هي استجابة للشعب في يوم ضيقهم"، إذ إن "قلب الله هو مع الأصاغر والمتواضعين، ومعهم يحلّ ملكوته - ملكوت الحبّ والسلام - يوماً فيوماً". نعم، "حيث يكون الحبّ والخدمة، هناك يكون الله" كما أعلن البابا لاوون.
هل هذا ما يفهمه الصهاينة والنتِن-ياهو وجماهير الاستيطان في فلسطين حول الحُكم والعمل بمشيئة الله؟ بالرجوع إلى تصريحاتهم، نراهم يعتبرون غير اليهودي حيواناً في خدمتهم، ومصيره رهن إرادتهم. يستبيحون الأعراض والأوطان والقوانين الدُوَليّة دونما رادع. شرسون لا بل وحوش ضارية في تعاملهم مع الناس. يحتقرون ما ليس هم ويزدرونه ولا يرفّ لهم جفن. ويقولون بوقاحةٍ لا توصف عبر الإعلام إنّهم يقومون بتغيير خريطة الشرق الأوسط بقوّة النار الغاشمة وبإبادة مَن يرون انّهم لا يستحقّون الحياة. وقد مزّق سفيرهم في الأمم المتّحدة ميثاق المنظّمة من دون أن ينتهره أحد أو ينتقده، ومن دون أن تتجرّأ الأمانة العامّة على طرده فوراً وأن تُسقط عضويّة كيانه الغاصب لفلسطين.
3-"إِنَّهُ يَسبِقُكُم إِلى ٱلجَليل"
نتنياهو في سباقٍ مع الزمن لتهويد الجليل باتفاقه مع حزب "الصهيونية الدينية" تعزيزاً للاستيطان فيه، في محاولةٍ لتغيير وجه المنطقة الديموغرافي. لا بل هو يطمع بتغيير الشرق الأوسط. بذا لا يعرف السلام طريقاً إلى قلبه.
فيما يسوع يبادر ويسبق تلاميذه إلى الجليل (إنّه ليس ههنا) في مسيرةٍ فصحيّة لا نهاية لها، قائداً البشريّة نحو غايتها: "أن تكون لها الحياة، وتكون بوفرة"، أن تتّحد به هو "الحياة".
إنطلق "إبن الانسان" في رسالته للتبشير بملكوت الله من "جليل الأمم"، المنطقة المتعدّدة الجنسيّة والفكر والمفتوحة للجميع لا "البلد القوميّ لليهود". يقول يوحنّا: "أتى يسوع إلى خاصّته، وخاصّته لم تقبله". "خرج" الناصريّ رساليّاً من أورشليم "قاتلة الأنبياء والمُرسَلين إليها" وصُلب خارج أسوارها، لأن لم يتحمّله رؤساء الكهنة والكتبة فيها كما سياسة الاستعمار لا تتحمّل البابا لاوون اليوم.
"إنّه يسبقكم إلى الجليل"، جليل الانطلاق والانتشار. من هناك بدأ التبشير بملكوت الله، ومنه انطلقت مسيرة التلاميذ مع القائم من الموت للتبشير. ببساطة أهله مثّل الجليل في رسالة يسوع مركزاً جغرافياً وروحياً حيوياً، حيث كان المسرح الرئيسي لخدمته العلنية (فيه صنع أولى آياته) وتعليمـه ومعجزاته ودعوة تلاميذه الأوائل، ومنه خرج الذين شكّلوا نواة الكنيسة الأولى. عن"جليل الأمم" تحدّث أشعيا: "الشعب الجالس في الظلمة أبصر نوراً عظيماً"، ليتاكّد لنا أنّ رسالة القيامة ليست محصورةً بأورشليم وهي ليست لليهود وحسب، بل هي مُوجهة لكل العالم (الأمم). وفيه ظهر يسوع بعد القيامة "لأكثر من خمسمئة أخٍ دفعة واحدة".
لذا، هل تستحقّ شخصيّاً أن تُخصص وقتاً هذا الأسبوع لتسترجع بذاكرتك "ساعة حبك الأولى" لله أو لحظة توبتك الأولى، وأن تُجدّد عهدك مع المسيح في "جليل حياتك"؟!
نبض