صباحٌ شتويٌّ في كيل

منبر 20-04-2026 | 09:58

صباحٌ شتويٌّ في كيل

صوت صفير السفن التي ترسل التحيّات يوقظ المدينة الغافية على ضفافِ القناة، مُؤذِّناً بفجرٍ جديدٍ تصخب فيه الحياة، وتنهمر العيون الملوَّنة بين رذاذ الضباب، لتعبر بين أضواء المراكب التي تخبو رويداً رويداً، وتتنفّس عبق الهواء الرطب ورائحة القرفة والخبز الطازج والقهوة السوداء.
صباحٌ شتويٌّ في كيل
تعبيرية
Smaller Bigger

مصعب الشيخ علي- المانيا

 

 

صوت صفير السفن التي ترسل التحيّات يوقظ المدينة الغافية على ضفافِ القناة، مُؤذِّناً بفجرٍ جديدٍ تصخب فيه الحياة، وتنهمر العيون الملوَّنة بين رذاذ الضباب، لتعبر بين أضواء المراكب التي تخبو رويداً رويداً، وتتنفّس عبق الهواء الرطب ورائحة القرفة والخبز الطازج والقهوة السوداء.
النوارس الرماديّة الوقحة تلتهم خبز الرضيعِ، وتسرق الطعام من الأفواه، وتنقضُّ على بقايا الشعوب المترفة.
لمن نشكو هذه الوحدة القاتلة بين الضباب في آخر المعمورة؟ لا الرايات الملوَنة التي تدفعها الرياح ولا الشعارات التي تردّد في الشوارعِ الطويلة نعرفها، ولا هي – وإن بذلت جهدها – بالكاد تعرفنا، ولا تعرف حلمي الذي أدثّره تحت معطفي السميك، راقداً تحت وشاحٍ أحمر مضطرم، خوفاً من الصقيعِ وليالي الشتاء القاسية في الشمال، ينساب وحده على الأرصفة الحجريّة الغريبة، قرب مجاري السيول، وفوق ذكريات يهوذا المنقوشة بالبرونز.
والشّعر الأسود الأشعث يغطّي الآذان، ويَسمع رغم ذلك إن أراد دبيب الأقدامِ اللاهثة، تركض إلى أبواب البنوك والصرّافات، لكنّه يمضي غير مكترثٍ بهذا المتاعِ، يمضي إلى حيث لا يوجد مكان آخر يمضي إليه.
لقد هرعتُ إليك أيها الميناء الجرمانيّ العتيق، ألتمس القرب وبعض الرّوائح القادمة مع الدخان. هناك، آخر المراكب في الشرق البعيد، حيث ترفع السّواعد السمراء أطنان الفحم والأغلال لتُحرق في المراجل، لتبحر القوارب وتقرع الكؤوس في البارات.
لم أكن أعلم عن التعطُّش لامتصاص دماء الأجساد المترنّحة الضعيفة، والاقتيات على جهود الجباه والسواعد السمراء سوى عند بعض الحشرات والطفيليّات.
ولم أُصدّق يوماً أن قابيل قد قتل أخاه، ولا أن المسيح قد صلبوه، كنت أحسبها من الأساطير والترّهات وروايات العجائز في القرى النائية لكي تمضي ليالي الشتاء الثقيلة.
ولكنّنا كبرنا على عجلٍ، ومضى الزمن بنا وعاث، وإن كالعوسجِ الملتفّ حول نفسه من القيظ، أصبحنا نرى السلاسل والأصفاد، ونسمع صوت المستغيثين، ونعلم علم اليقين من يوصد الأقفال في الزنازين ومن يكمّ الأفواه الصادحة بالدماء.
لو تعطني الدفّة أيّها الربّان لكنت على أقرب رصيف، وجعلت من جسدي جسراً يعبر أبناء قومي عليه، من العبوديّة إلى الحياة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
النهار تتحقق 10/8/2026 2:51:00 PM
"الزمن يغيّر الملامح لكن لا يغيّر مكانته"، علّق مستخدمون على الصورة.