المثابرةُ نِصفُ الإنتاج
المهندس ريبال الياس سميا
يقول الأب بولس صفير، مدير قسم التّاريخ سابقًا، في جامعة الرّوح القدس الكسليك: "قيمة الأمم والشّعوب إنّما هي بما تحفل به من تراث، وبما تحافظ عليه وتفيد منه في هذا التراث. والتراث العريق في تاريخ الشعوب هو الذي يترك تفاعلًا وتواصلًا بين حضارة الأمس وحضارة اليوم... وكلّ فنّان عبقريّ في تاريخ أمّة من الأمم، يشكّل منارة تهتدي بها الأجيال الطّالعة، وطاقةً معنويّة وثقافيّة، تفتح أمامهم آفاقًا واسعة نحو تطلّعاتٍ مشرقةٍ لمستقبل مجيد".
واحدٌ من الموارد الأساسيّة المُستدامة التي تُغذّي تراث الوطن الإنتاجيّ، وتؤمّن استمراريّته، هي القدرة الإبداعيّة الإنتاجيّة الفرديّة، التي تتوزّع بين فكريّةٍ وجسديّة. فهذه القدرة على نوعَيها، تتداخل في النّسيج المجتمعيّ وتتوسّع، لتتحوّل من قدرةٍ فرديّةٍ إلى قوّةٍ جماعيّة، ووطنيّة، تشكّل دعامةً للاقتصاد الوطنيّ. وهذا الإبداع الإنتاجيّ في مختلف القطاعات: الفكريّة، والفنيّة، والصّناعيّة، والحِرفيّة... بالإضافة إلى كونه مصدرًا للرّضى الذاتيّ، وما يحمل من فوائد للصحّة النفسيّة والجسديّة، والعلاقات الإجتماعيّة، هو أيضّا مصدرٌ للدّخلِ، ومحرِّكٌ لعجلة الاقتصاد الوطنيّ، في فترة هو بأمسّ الحاجة فيها إلى ركنٍ للزاوية.
هذه الإبداعيّة الإنتاجيّة، هي بحاجةٍ، في الأوضاع "الطّبيعيّة" إلى الصّفاء الذّهنيّ، الذي هو وليدُ الاستقرار الأمنيّ، والإقتصاديّ، والسّياسيّ... فمن الصّعب جدّاً على الملحّن الموسيقيّ أن يؤلّف مقطوعة موسيقيّة، أو الموظّف أن يؤدّيَ عَمَلَهُ في مختلف القطاعات، تحت أصوات القنابل. وقِطاع التّعليم حدِّث ولا حَرَج.
أمّا اليومَ، وفي هذا الوضع الإستثنائيّ، فالمواطن اللّبنانيّ المقيم، يبدأ نهاره، ويمضيه، ويقضي ليلَهُ بما تيسّر له من نومٍ (إن استطاع)، في توتّرٍ دائمٍ؛ بسبب الوضع الأمنيّ الضّاغط من كلّ صوب. فالوّضع العامّ، والأخبار التي تصل إلى مَسمَعَيه، بوتيرةٍ شبهِ مستمرّةٍ على مدار السّاعة، تجعلُ من الصّعب جدًّا أن يُركِّزَ على مهامِه اليوميّة؛ فيَصحّ القول القديم: "راح لِنهَار طعَام القِرد".
لكن، ما يُعزّي ويشدُّ العزم، ولو قليلًا، أن نتذكّر أنّه هناك أمثلةً كثيرةً، على مُبدعين، ومُجتمعاتٍ، استطاعت في فترات الصّعاب، بالمثابرةِ وعدم الاستسلام لليأس، أن تحُفرَ قناةً للخروج من مُستنقع الوحل الذي كانت غائصةً فيه، إن كانت تعيش حُرُوبًا أو أوضاعًا إقتصاديّةً صعبةً... وعندما حانت السّاعةُ الملائمة، كانوا مستعدّين؛ ليقطفوا ثمار مثابرتهم. فمهما اشتدّت الصّعاب، كانت مُثابرتهم هي طريقَهم للخلاص.
ففي هذا الزّمن الفصحيّ المُبارَك، نردّد مع مار بولس: "ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلًا وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ (2 كو 11: 25).
ونستذكِرُ دائمًا أنّه حينما ظنّ الرّسل أنّ كلّ شيء انتهى، وسقطت جميع أحلامهم، تحوّل الصّليب من خشبة عارٍ، إلى جسر عبورٍ، وكانت القيامة.
الحرب لا بدّ أن تنتهي، القيامة آتيةٌ، ولبنانُ سوف يعودُ إلى سابق مجده. وكَي لا يأكل القرد النّهار: فالمثابرةُ هي نصف الإنتاج.
"إنّ اثارنا تدلّ علينا"؛ فانظُروا بَعدَنَا إلى آثار مثابرتِنا.
نبض