من الدم إلى الترند: كيف أعادت الشاشات كتابة الحرب في لبنان
أحمد دلول
لم تعد الحرب في لبنان تُنقل… بل تُبث.
لم تعد تُروى في نشرات الأخبار المسائية، ولا تنتظر عدسة مصوّر محترف أو تقرير مراسل ميداني.
اليوم، الحرب تصل قبل الجميع، ومن الجميع. من هاتف شاب على شرفة، من امرأة تهرع بين صرختين، من طفل يوثّق ما لا يفهمه.
في أقل من عشر ثوانٍ، تتحوّل الغارة إلى فيديو.
وفي أقلّ من دقيقة، تصبح "ترند".
وبعد ساعات، تصبح رواية يتنازعها الآلاف.
هكذا تغيّرت الحرب.
من الميدان إلى الهاتف: من يملك الرواية اليوم؟
على امتداد عقود، كانت الحروب تُروى من خلال مؤسسات إعلامية واضحة: مراسل، كاميرا، غرفة أخبار، ثم بثّ.
اليوم، هذه السلسلة سقطت. أو على الأقلّ، لم تعد وحدها.
في النزاعات الحديثة، تشير بيانات منصّات رقمية إلى أن الوسوم المرتبطة بالحروب تحصد مليارات المشاهدات خلال أيام قليلة.
لم يعد الجمهور ينتظر المعلومة… بل يستهلكها فوراً، من مصادر غير معروفة أحياناً، وغير موثّقة في أغلب الأحيان.
في لبنان، يتكرّر المشهد يومياً:
صوت انفجار، هاتف يُرفع، تصوير سريع، نشر فوريّ، تفاعل خلال دقائق.
وقبل أن يصل الصحافي إلى المكان، تكون الرواية قد انتشرت.
لكن السؤال لم يعد: من ينشر أولاً؟
بل: من يُصدَّق؟
الخوارزمية لا ترى الحقيقة… بل ترى التفاعل
في عالم المنصات الرقمية، لا ينتصر الخبر الأدق، بل الخبر الأكثر جذباً.
الخوارزميات التي تحكم الانتشار لا تميّز بين حقيقة وكذب، بل بين ما يُشاهَد وما يُهمَل.
المحتوى الذي يحمل صدمة بصريّة، صوتاً عالياً، أو لحظة انهيار إنساني، يُدفع تلقائياً إلى الواجهة.
تشير دراسات في الإعلام الرقمي إلى أن الفيديوهات ذات الطابع العاطفي أو الصادم تحصد نسب تفاعل أعلى بكثير من المحتوى التفسيري أو التحليلي.
بمعنى آخر:
مشهد واحد مدّته 15 ثانية قد ينتشر أكثر من تقرير كامل موثّق.
وهنا تكمن المفارقة:
كلما كان المشهد أقسى، زادت فرص انتشاره… بغضّ النظر عن دقته.
بين التوثيق والتضليل: عندما تختلط الروايات
المشكلة لا تكمن فقط في سرعة النشر، بل في هشاشة التحقق.
في أوقات التصعيد، تظهر أرقام مقلقة:
• جزء ملحوظ من المحتوى المتداول يتضمّن معلومات غير دقيقة أو مجتزأة
• فيديوهات قديمة يُعاد نشرها على أنها جديدة
• مشاهد من مناطق أخرى تُنسب إلى لبنان
وفي بعض الحالات، حقّقت أخبار غير صحيحة عشرات الملايين من المشاهدات خلال أيام، قبل أن يجري نفيها أو تصحيحها.
لكن في زمن السرعة، التصحيح لا يوازي الانتشار.
الخبر الخاطئ يصل أولاً… ويبقى.
النتيجة؟
جمهور يعيش حرباً واحدة على الأرض،
لكنه يرى حروباً متعدّدة على الشاشة.
التأثير النفسي: حرب تتكرّر داخل الرأس
في السابق، كان الإنسان يهرب من الحرب بإغلاق النافذة.
اليوم، يحملها في جيبه.
التعرّض المتكرر لمشاهد القصف والدمار عبر الشاشات، حتى لمن هم بعيدون نسبياً عن خطوط التماس، يترك أثراً نفسياً واضحاً.
تشير أبحاث في علم النفس إلى أن المتابعة المكثفة لمحتوى الحروب عبر وسائل التواصل ترتبط بارتفاع مستويات القلق، واضطرابات النوم، والتوتر المستمر.
الأخطر أن هذه المشاهد لا تأتي مرة واحدة، بل تتكرّر:
نفس الانفجار من زوايا مختلفة،
نفس الصرخة،
نفس اللحظة… عشرات المرات.
هكذا، لا تعود الحرب حدثاً… بل حالة دائمة.
من نقل الحدث إلى صناعته: متى تصبح الصورة سلاحاً؟
مع الوقت، لم تعد الصورة مجرّد توثيق.
أصبحت أداة.
أداة للتأثير، للتعبئة، ولإيصال رسائل سياسية ونفسية.
بعض الفيديوهات تُنشر بهدف واضح: إثارة الخوف، أو رفع المعنويات، أو توجيه الرأي العام.
في هذا السياق، تتحدّث تحليلات إعلامية عن تحوّل المنصات الرقمية إلى جزء من "ساحة المعركة"، حيث لا تُستخدم الأسلحة فقط، بل أيضاً الصور.
وهنا، يدخل المشاهد في دور لم يختره:
ليس متلقّياً فقط، بل جزء من عملية الانتشار.
كل مشاركة، كل إعادة نشر، قد تساهم—من دون قصد—في تكريس رواية معيّنة.
لبنان: حرب تُعاش مرتين
في لبنان اليوم، تُعاش الحرب على مستويين:
مرة في الواقع، ومرة على الشاشة.
في الواقع، هناك قصف وخوف ونزوح.
وعلى الشاشة، هناك إعادة إنتاج مستمرة لهذه اللحظات.
الخطير أن هذا النمط يخلق نوعاً من الاعتياد:
مشاهد كانت تُصنّف صادمة، أصبحت مألوفة.
وأخبار كانت تُتابَع بقلق، أصبحت تمرّ سريعاً بين فيديو وآخر.
هنا، لا تكمن المشكلة فقط في ما نراه،
بل في كيف تعوّدنا أن نراه.
الخلاصة: من يكتب الحرب اليوم؟
الحرب لم تعد فقط ما يحدث،
بل ما يُعرض.
لم تعد الحقيقة وحدها في الميدان،
بل أيضاً في الخوارزمية، في زاوية التصوير، في توقيت النشر.
وفي زمن الـ TikTok ، والـ Instagram
لم يعد السؤال الأساسي: "ماذا جرى؟"
بل:
"أي جزء من الحقيقة وصل إليّ… وأي جزء لم يصل؟"،
لأن من يملك الصورة اليوم،
لا ينقل الحرب فقط،
بل يعيد تشكيلها… في وعي الناس.
نبض