حين يصبح الصمت سياسة… تُصنَع الفتنة

منبر 16-04-2026 | 11:39

حين يصبح الصمت سياسة… تُصنَع الفتنة

في لبنان، الفتنة لا تبدأ بالسلاح.تبدأ قبل ذلك بكثير: حين يتحوّل الصمت إلى سياسة، ويُفرض كخيارٍ "عاقل"، فيما يُعامَل الكلام كتهديد، والحقيقة كاستفزاز.هذه ليست مصادفة. هذه بنية حكم.
حين يصبح الصمت سياسة… تُصنَع الفتنة
آثار القصف على الضاحية الجنوبية
Smaller Bigger

بسّام صرّاف

 

 

في لبنان، الفتنة لا تبدأ بالسلاح.
تبدأ قبل ذلك بكثير: حين يتحوّل الصمت إلى سياسة، ويُفرض كخيارٍ "عاقل"، فيما يُعامَل الكلام كتهديد، والحقيقة كاستفزاز.
هذه ليست مصادفة. هذه بنية حكم.
ليست الفتنة حدثاً طارئاً، بل نتيجة مسارٍ مُدار:
مسار يبدأ بتخدير الأزمات، لا حلّها،
بتأجيل تسميتها، لا مواجهتها،
وبمنع تحويلها إلى نقاشٍ عام، حيث يمكن العقل أن يتدخل قبل أن تتدخل الغرائز.
في هذا البلد، لا يُطلب من الناس أن يوافقوا، بل ألا يفهموا.
ولا يُطلب منهم أن يقتنعوا، بل أن يتأقلموا.
هكذا يُصنَع الاستقرار الوهمي:
قانون يُطبَّق بانتقائية،
مسؤوليات تُذوَّب بين الأطراف،
واقع يُفرض بالقوة، ثم يُطلب من المجتمع أن يتعايش معه بصمت.
هذا ليس استقراراً.
هذا انهيار مُدار.
في ظل هذا النموذج، تتحول الدولة من كيانٍ يُدير الحلول إلى جهازٍ يُدير الأزمات:
حاضرة حين يتعلق الأمر بضبط المجتمع، وغائبة حين يتعلق الأمر بمساءلة الأسباب.
وهنا تحديداً، تبدأ الفتنة، لا كصدام، بل كعملية تفككٍ بطيئة في المعايير.
فالفتنة، في جوهرها، ليست صراع طوائف، بل انهيار في معنى الحقيقة.
هي اللحظة التي تسقط فيها اللغة من دورها كأداة فهم، لتصبح أداة تحريضٍ أو إخفاء.
حين يُعاد تعريف المواطن كامتداد لهويته الضيقة، لا كفردٍ في دولة، تكون الشرارة قد اشتعلت حتى لو لم تُسمع بعد.
لقد أثبت تاريخ لبنان، منذ الحرب الأهلية اللبنانية 1975–1990، أن الانفجار لا يحتاج إلى قرار.
يكفي أن تتوافر بيئة: خطاب سياسي مأزوم، إعلام متوتر، قضاء عاجز، واقتصاد ضاغط حتى الاختناق.
ولمن يقول إن الصمت يحمي الاستقرار ويمنع الانفجار، تبدو الفكرة للوهلة الأولى منطقية.
لكن التجربة اللبنانية تقول العكس تماماً:
الصمت لا يُلغي التوتر، بل يراكمه.
لا يمنع الانقسام، بل يدفعه إلى تحت السطح حيث يصبح أكثر خطورة.
وما لا يُقال علناً، يُعاد إنتاجه همساً ثم صداماً.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في الفتنة نفسها، بل في ما يسبقها: ثقافة الصمت.
ذلك الصمت الذي يُسوَّق كحكمة، وهو في الحقيقة تواطؤ.
الصمت الذي يساوي بين المعتدي والمُحذِّر،
بين خطاب الكراهية والتنبيه إليه،
فيخلق منطقةً رمادية تُفقد المجتمع قدرته على التمييز.
وهنا، "تُشرعن" الفتنة قبل أن تقع.
في لبنان اليوم، لا يُقمع الكلام دائماً بالقوة، بل يُحاصَر بالتشكيك والتخوين والعزل.
من يطرح سؤالاً يُهاجَم،
من يسمّي المشكلة يُتَّهم بزعزعة الاستقرار،
ومن يرفض الغموض يُدفع خارج المشهد.
خذ مثالاً واضحاً من السنوات الأخيرة:
كلما طُرحت أسئلة جدّية حول الانهيار المالي، أو المسؤوليات، أو مصير أموال الناس، جرى تحويل النقاش من "ماذا حدث؟" إلى "لماذا تفتحون هذا الملف الآن؟".
هكذا يُستبدل التحقيق بالتوقيت، والمحاسبة بالاتهام، والحقيقة بالشبهة.
وهكذا، لا يعود السؤال: ماذا يحدث؟
بل: ماذا يُسمح لنا أن نقول؟
في قلب هذا الواقع، تتكرّر اللازمة السياسية نفسها:
"الخطر هو الانقسامات الداخلية".
لكن هذا التشخيص مضلّل.
الانقسام ليس سبب الأزمة.
الانقسام نتيجة مباشرة لمنع فهم الأزمة.
حين يُمنع المجتمع من تفسير ما يجري داخله،
يبدأ بإنتاج تفسيراتٍ بديلة،
تتحول الأسئلة إلى اصطفافات،
ويتحول الغموض إلى هويات.
ثم يُقال إن المشكلة هي "الانقسام".
كلا.
المشكلة هي من صنع الانقسام عبر منع الفهم.
وهنا، لا بد من استعادة الدرس الذي لم يُستوعب منذ 13 نيسان 1975،
ليس كذكرى، بل كتحذيرٍ مستمر.
ذلك الانفجار لم يكن لحظة جنونٍ جماعي،
بل نتيجة مسارٍ طويل من الهروب من الحقيقة:
دولة تتفكك وتصرّ على خطاب "كل شيء تحت السيطرة"،
صراعات تُدفن بدل أن تُحل،
ومجتمع يُترك بلا إجاباتٍ حتى امتلأ بالخوف.
يومها أيضاً، كان قول الحقيقة يُتَّهم بأنه تحريض،
وكان الصمت يُقدَّم كحكمة،
إلى أن سقط كل شيء دفعة واحدة.
اليوم، المشهد يتكرر، بأدواتٍ مختلفة، لكن بالمنطق نفسه.
الفتنة لا تبدأ حين يرتفع الصوت،
بل حين يُخنق الصوت الصحيح.
لا تنفجر بسبب النقاش،
بل بسبب منعه.
ولا تأتي من الفوضى،
بل من "نظامٍ" يُدير الفوضى بالصمت.
المسؤولية هنا ليست نظرية.
هي موزعة بين من يصنع الخطاب، ومن يروّجه، ومن يصمت عنه.
لكنها أيضاً فرصة، لأن كسر هذا المسار لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار.
قرار بإعادة الاعتبار للحقيقة كقيمةٍ عامة، لا كوجهة نظر.
قرار بحماية النقاش، لا خنقه.
قرار باعتبار الاختلاف مادة فهم، لا مادة صراع.
لبنان لا يحتاج إلى مزيدٍ من خطابات التهدئة التي تُخفي النار تحت الرماد،
بل إلى مواجهةٍ سياسية مع الأسباب، لا مع النتائج.
لا يحتاج إلى إدارة إنكارٍ أكثر ذكاءً،
بل إلى كسر هذه الإدارة بالكامل.
لأن المشكلة ليست في وجود الخلاف،
بل في منع تحويله إلى معرفة.
وليست في اختلاف الناس،
بل في منعهم من فهم لماذا يختلفون؟
في النهاية، لا أحد يصنع الفتنة بالكلام.
الفتنة تُصنَع عندما يُمنع الكلام الحقيقي،
ويُعاقَب من يجرؤ على تسميته،
ويُكافأ من يلتزم الصمت.
وحين يصبح الصمت سياسة،
ويصبح الخوف نظاماً،
ويصبح الإنكار أسلوب حكم،
لا تعود الفتنة احتمالاً.
بل تصبح النتيجة الوحيدة الممكنة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
لبنان 4/15/2026 6:55:00 PM
 تمّ إخلاء الفندق من النزلاء كإجراء احترازي...
مجتمع 4/15/2026 12:28:00 PM
"أقدمت على قتل طفلَيها خنقاً بواسطة وسادة أثناء تواجدهما على سريرها داخل منزلها في محلة صحراء الشويفات"