هل يستطيع صندوق النقد والبنك الدوليين معالجه تبعات حرب إيران؟

منبر 15-04-2026 | 16:26

هل يستطيع صندوق النقد والبنك الدوليين معالجه تبعات حرب إيران؟

لن يتعافى النظام المالي العالمي إلا حين تولد هياكل جديدة تعترف بالتعددية القطبية الاقتصادية وتُنهي حقبة الهيمنة الأحادية التي تُعطّل التنمية المستدامة في الجنوب العالمي لصالح صراعات القوى العظمى في الشمال.
هل يستطيع صندوق النقد والبنك الدوليين معالجه تبعات حرب إيران؟
اجتماعات الربيع 2026 في واشنطن(أ ف ب)
Smaller Bigger

جلال قناص*

 

في ربيع 2026، تعاني مؤسسات "بريتون وودز" من أزمة سيولة حقيقيه، و تعيش أزمة هوية بنيوية تكشف عن عجز وظيفي متراكم أمام تحولات جذرية في بنية النظام الدولي. فصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذان نشآ في عالم ثنائي القطبية ثم أُعيد تأهيلهما لخدمة اللحظة الأحادية عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، يجدان نفسيهما اليوم بلا خارطة طريق في عالم متعدد القطبية اقتصادياً ومتشعّب النزاعات عسكرياً.

التناقض البنيوي: حرية التجارة في مواجهة الحمائية الأميركية
يبدو التناقض واضحاً حين تدعو هذه المؤسسات في توصياتها إلى الانفتاح التجاري وتفكيك الحواجز الجمركية، فيما تفرض واشنطن تعريفات شاملة تتجاوز 10% على كافة الواردات دون أن تجرؤ مؤسسات "بريتون وودز" على مجرد انتقاد هذا التوجه علنياً. هذا الانسحاب من دور الحَكَم المحايد يكشف الطبيعة الحقيقية لهذه المؤسسات؛ إذ أصبحت أدوات في خدمة السياسة الخارجية الأميركية أكثر من كونها هيئات تقنية متعددة الأطراف. والخسارة الأكبر يتكبّدها الجنوب العالمي، حيث تعتمد الدول النامية على عائدات التصدير لتمويل ديونها السيادية الخارجية، فيتحول الانكماش في الطلب العالمي إلى ضائقة مالية متسلسلة تعجز برامج الصندوق التقليدية عن احتوائها.

صدمة الطاقة وضغط موازين المدفوعات
زاد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران الطيّنَ بلّةً؛ إذ أفضى اضطراب مسارات الملاحة والإمداد إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط، متجاوزاً برميل برنت عتبة 120 دولاراً، ما وضع موازين المدفوعات في الدول الناشئة تحت ضغط كبير. وفي هذا السياق، يُفترض أن يضطلع صندوق النقد بدور مُقرض الملاذ الأخير، غير أن السرعة المطلوبة للتدخل تفوق قدرته المؤسسية، فضلاً عن أن التسييس المتزايد لشروط الإقراض يجعل الدول المتضررة تتردد في طلب المساعدة خشية التبعية السياسية.

 

لوغو صندوق النقد الدولي (أ ف ب)
لوغو صندوق النقد الدولي (أ ف ب)

 

الفجوة بين الوعود والتدفقات الفعلية
على صعيد البنك الدولي، تبدو الأرقام مثيرة للقلق؛ فبينما تعهدت قيادته برفع سقف التمويل السنوي إلى 150 مليار دولار لمواجهة أزمات المناخ والطاقة، لم تتجاوز التدفقات الفعلية 40% من هذه الوعود. يكمن تفسير هذه الفجوة في شح السيولة الدولارية وارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً، وهو ما يعكس تناقضاً جوهرياً: مؤسسة تعتمد على الأسواق الدولية لتمويل نفسها تجد أن مهمتها الإنمائية تتقلص تلقائياً في اللحظة التي تحتاج فيها إليها الدول النامية أكثر من أي وقت مضى.

ضرورة إعادة الهيكلة: من التجميل إلى الإصلاح الجوهري
لا تكفي الإصلاحات التجميلية والشكلية في هذه المرحلة، فهذه المؤسسات تحتاج إعادة الهيكلة كضرورة وجودية. وتبدأ هذه الضرورة بكسر احتكار التصويت الذي يمنح الولايات المتحدة حق النقض الفعلي بنسبة تصويتية تتجاوز 16%، وهو ما يُفرغ مبدأ التعددية من مضمونه. ولا بد من الانتقال تدريجياً نحو سلة عملات أكثر تنوعاً ضمن حقوق السحب الخاصة، لتخفيف الارتباط بدولار تحوّل من عملة احتياطية محايدة إلى سلاح جيو-اقتصادي يُعمّق أزمات الدول الأكثر هشاشة في سياق تضخمي حاد وسلاسل توريد محطمة.

في النهايه بانتظار النظام الجديد
المشهد الحالي يضع مصداقية النظام المالي الدولي برمته على المحك. فهذه المؤسسات التي ولدت من رحم الحرب العالمية الثانية لتكريس استقرار ما بعد الحرب، باتت اليوم عاجزة عن الاستجابة لعالم تتصادم فيه الحمائية الاقتصادية مع النزاعات والحروب العسكرية ومتطلبات التحول المناخي في آنٍ واحد. ولن يتعافى النظام المالي العالمي إلا حين تولد هياكل جديدة تعترف بالتعددية القطبية الاقتصادية وتُنهي حقبة الهيمنة الأحادية التي تُعطّل التنمية المستدامة في الجنوب العالمي لصالح صراعات القوى العظمى في الشمال.

 

*استاذ الاقتصاد في جامعه قطر

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 4/14/2026 4:20:00 AM
لـ"إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية"...
شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
لبنان 4/14/2026 4:37:00 PM
وفيق صفا: نحن غير مهتمّين بها إطلاقاً ولا تعنينا