لبنان بين الخوف من الفتنة وتكرار سيناريو 2005
عماد جودية
كانت تغريدة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي طلب فيها من معارضي الرئيس نواف سلام الذين يتهمونه بالوقوف ضد المقاومة لمطالبته بنزع سلاحها وحصره بيد الجيش لافتة ومعبرة في دلالاتها وتوقيتها ومضمونها عندما دعاهم ليتذكروا أداءه في محكمة العدل الدولية إلى جانب الشعب الفلسطيني قبل مهاجمته.
لا شك أن جنبلاط هو واحد من القيادات اللبنانية القليلة الذي يعرف كيف يقرأ المتغيرات السياسية محلياً وإقليمياً ودولياً، وكيف يقيم مخاطرها على الساحة الداخلية ويحسن المشي بين ألغامها متجنباً انفجارها.
ولهذا لم تأتِ تغريدته من فراغ، بل جاءت في توقيتها الصحيح وفي لحظة مصيرية خطيرة يمر بها لبنان، لا سيما وأنه اختبر الأحداث الدموية التي شهدها لبنان خلال الخمسين سنة الماضية بمرّها وحلوها. وكان في قلبها منذ اغتيال والده العام 1977، وتغييب الإمام موسى الصدر العام 1978، إلى الاجتياح الإسرائيلي لبيروت العام 1982 وانتفاضة 6 شباط العام 1984، واغتيال رشيد كرامي عام 1987، وحربي التحرير والإلغاء عامي 1989 -1990، إلى اتفاق الطائف العام 1990، وتحرير الجنوب العام 2000، واغتيال رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية العام 2005، وعدوان تموز العام 2006، وانتفاضة 7 آيار العام 2008، وانتهاءً بأحداث سوريا والربيع العربي العام 2011، ووصولاً إلى حروب غزة ولبنان وإيران منذ تشرين الأول/أكتوبر العام 2022 حتى اليوم.
ولهذا أراد من تغريدته تلك، دق ناقوس الخطر عبر دعوته بطريقة غير مباشرة القيادات السياسية الإسلامية والمسيحية دون استثناء إلى ضرورة الوعي واليقظة والتنبه في هذه الأيام الخطيرة، وعدم التهور في إطلاق المواقف المتشنجة غير المسؤولة المتبادلة في ما بينهم، والطلب من جمهورهم التوقف عن السباب ورمي اتهامات التخوين يميناً وشمالاً بحق بعضهم البعض، والتصرف بعقلانية واتزان، خوفاً من إقدام أعداء لبنان مجدداً من تكرار سيناريو 2005، والعودة به إلى نغمة الاتهامات المتبادلة لجر أهله إلى الفتنة الداخلية وأخذه هذه المرة إلى مهالك لا تحمد عقباها، ودفعه إلى انتفاضة شعبية جديدة شبيهة بالتي شهدها يومذاك وأدت إلى انسحاب القوات السورية منه بعد 28 عاماً من وصايتها عليه.
لكن الخوف هذه المرة في حال تكرار هذا السيناريو أن تعلو أصوات تطالب بتدخل خارجي وتدعو للاستعانة بقوات غربية بقيادة أميركية كما حصل العام 1983، من أجل مساندة الجيش اللبناني لتنفيذ قرار الحكومة بنزع السلاح غير الشرعي وحصره بالجيش اللبناني وملاحقة قادة هذا السلاح واعتقالهم. وهذا ما كنا حذرنا منه في مقالنا الذي نشر في العزيزة "النهار" بتاريخ 4/12/2025 وحمل عنوان: تحالف الراغبين من العراق إلى لبنان.
ولأن جنبلاط يدرك تمام الإدراك أن لعبة الشارع هي أخطر على لبنان وعلى سلمه الأهلي من الحرب بذاتها. التقطت قيادة حركة "أمل" إشاراته وتحذيراته وسارعت إلى دعوة مناصريها إلى عدم المشاركة في أية تظاهرات احتجاجية أو شتم رئيسي الجمهورية والحكومة تجنباً لمنع البلاد من الانزلاق نحو الفتنة الداخلية.
وهذا الموقف المسؤول لقيادة الحركة جاء بتوجيهات مباشرة من الرئيس نبيه بري الذي استشعر خطر تغريدة صديق مسيرته السياسية وسارع إلى ملاقاته في منتصف الطريق من أجل وأد الفتنة الداخلية وهي في مهدها.
وكذلك فعل شريكه في الثنائية حزب الله الذي أصدر بدوره موقفاً مماثلاً لمناصريه دعاهم فيه إلى عدم الانجرار نحو الشارع تجنباً للانقسام الداخلي في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها الوطن.
وبأهمية موقفي قيادتي الثنائي الشيعي كان الموقف الوطني والمسؤول الذي اتخذه مفتي الطائفة السنية عبداللطيف دريان الذي سارع بدوره للاتصال بكل المرجعيات الروحية والسياسية الإسلامية والمسيحية داعياً إياهم للتآزر والتكاتف من أجل اسقاط الفتنة وإنقاذ البلد وسلمه الأهلي منها.
فهل ينجح اللبنانيون هذه المرة في تجاوز قطوع تلك المرحلة الخطيرة من وجودهم بسلام وأمان وتغليبهم لغة العقل على لغة السلاح وإفشالهم مخططات جرهم الى الفتنة الداخلية؟
نبض