لبنان بين نار الميدان وخيار التفاوض: هل تأخرت الديبلوماسية؟
محمد عبد الله – باحث سياسي
لنقلها كما هي، ما يجري في جنوب لبنان هو نتيجة مباشرة لسياسةٍ فرضها "حزب الله" على الدولة اللبنانية منذ أكثر من أربعة عقود، سياسة جعلت من لبنان ساحةً مفتوحة لحروب الآخرين، وربطت مصيره بمحاورٍ إقليمية تقودها إيران.
اليوم، الجنوب يُفرَّغ من أهله. القرى تُدمَّر، والنزوح يتكرّر، والمشهد يعيد نفسه كأن شيئاً لم يتغيّر. ومع ذلك، لا يزال الخطاب نفسه يُعاد إنتاجه: "السلاح يحمي".
لكن الوقائع تقول عكس ذلك تماماً، السلاح لم يمنع الحرب، بل استدعاها. لم يمنع التهجير، بل كرّره. ولم يحمِ الدولة، بل همّشها. وهناك من يقول أن الفساد السياسي في لبنان هو المستفيد الوحيد من السلاح !
لذلك، السؤال الحقيقي لم يعد ماذا تفعل إسرائيل في اعتداءاتها، بل من قرّر أن يكون لبنان في موقع المواجهة الدائمة مع إسرائيل خارج أي قرار سيادي جامع؟
لقد احتكر "حزب الله" قرار الحرب والسلم، وجرّ البلاد إلى معادلاتٍ لا قدرة لها على تحمّل نتائجها. وفي كل مرة، يُدفع اللبنانيون الثمن: دمار، نزوح، وانهيار إقتصادي واجتماعي.
الأخطر أن هذا المسار لم يعد لبنانياً أصلاً. من غزة إلى اليمن إلى العراق، تتكرّر المعادلة نفسها، من ضمن مشروعٍ إقليمي تقوده إيران، فيما تتحوّل هذه الساحات إلى أوراق تفاوضٍ على طاولاتٍ دولية. وحين تُفتح قنوات الحوار بين طهران والولايات المتحدة، يبقى لبنان عالقاً في الميدان، يدفع التكلفة بدلاً من أن يكون جزءاً من القرار.
هنا تكمن المفارقة الفاضحة: من يرفض الديبلوماسية علناً، ينتظر نتائجها ضمناً.
يُقال إن التفاوض مع إسرائيل هو "تنازل"، لكن ماذا عن التهجير؟ ماذا عن تدمير القرى؟ ماذا عن شلّ الدولة؟ أليست هذه كلها تنازلات قسرية تُفرض على اللبنانيين يومياً؟
إن ما نعيشه اليوم ليس معركة "نصرٍ أو استسلام"، بل انهيار تدريجي لمنطق الدولة نفسها. لا نصر في الأفق، ولا استراتيجية خروجٍ واضحة، بل استنزاف مفتوح يُدار بعقلية إنكارٍ كاملة.
الديبلوماسية ليست خيانة، بل آخر ما تبقّى من أدوات الإنقاذ. والتفاوض ليس ضعفاً، بل اعتراف بأن الخيارات الأخرى استُنفدت أو فشلت.
لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما استعادة قراره السيادي وفتح مسارٍ تفاوضيٍّ واضح يحمي ما تبقّى، وإما الاستمرار كجبهةٍ متقدمة في صراعات الآخرين، حتى الانهيار الكامل.
السؤال لم يعد إن كنا سنذهب إلى التفاوض، بل متى وبأي ثمن؟
وعندها، لن تكون المشكلة في الجلوس إلى الطاولة…
بل في أن لبنان سيصل إليها منهكاً، فاقداً أي أوراق قوة حقيقية.
نبض