الصدمة الجماعية والذاكرة في لبنان

منبر 13-04-2026 | 09:14

الصدمة الجماعية والذاكرة في لبنان

في لبنان، الصدمة ليست مجرد حدثٍ مرّ وانتهى، بل هي شعورٌ يسكن التفاصيل اليومية للناس. 
الصدمة الجماعية والذاكرة في لبنان
بيروت بعد 100 غارة نفذتها إسرائيل في 10 دقائق، 8 أبريل 2026. (فرانس برس)
Smaller Bigger
ليا ابراهيم 


في لبنان، الصدمة ليست مجرد حدثٍ مرّ وانتهى، بل هي شعورٌ يسكن التفاصيل اليومية للناس. هي في صوت مولّد الكهرباء، في انقطاع الضوء، في القلق الذي يسبق أي خبر عاجل، وفي ذلك الإحساس الدائم بأن شيئًا ما قد يحدث في أي لحظة. منذ الحرب الأهلية اللبنانية، وصولًا إلى انفجار مرفأ بيروت، لم تُمنح القلوب وقتًا كافيًا لتلتقط أنفاسها.
الإنسان هنا لا يعيش الصدمة كذكرى، بل كحالة مستمرة. هناك تعبٌ لا يُقال، خوفٌ غير محدد، وحزنٌ لا يجد دائمًا لغة للتعبير عنه. في كثير من الأحيان، لا يعرف الشخص لماذا يشعر بالقلق، أو لماذا يتوقع الأسوأ دائمًا، لكنه يشعر بذلك في داخله، كأن شيئًا انكسر ولم يُصلَح.
اللافت أن هذه الصدمة ليست فردية، بل جماعية. كل شخص يحمل جزءًا منها، لكن لا أحد يحملها كاملة. وكأن المجتمع كله يعيش وجعًا مشتركًا، لكن دون أن يستطيع أن يتكلم عنه بصوت واحد. فلكل عائلة قصتها، ولكل فرد ذاكرته، ولكل منطقة روايتها الخاصة. وهكذا، تصبح الذاكرة في لبنان مجزأة، مليئة بالقصص غير المكتملة، والحقائق التي لم تُقل بالكامل.
في غياب العدالة والمصارحة، يبقى الماضي حاضرًا بطريقة مؤلمة. لا يتحول إلى درسٍ يُستفاد منه، بل إلى عبءٍ يُعاد حمله كل يوم. فالأحداث لا تُطوى، بل تُترك مفتوحة، كجروح لم تُغلق بعد. وهذا ما يجعل الإنسان يشعر أحيانًا بأنه عالق بين زمنين: ماضٍ لم ينتهِ، وحاضرٍ لا يستقر.
من الناحية النفسية، يمكن فهم هذا من خلال الصدمة العابرة للأجيال. فالألم لا يتوقف عند من عاشه، بل ينتقل إلى الأبناء بطرق غير مرئية. قد لا يعرف الجيل الجديد تفاصيل ما حدث، لكنه يشعر بثقله. يظهر ذلك في الخوف، في الحذر، في صعوبة الشعور بالأمان، وحتى في طريقة النظر إلى المستقبل.
والأكثر عمقًا أن الجسد نفسه يتذكر. التوتر، القلق، الإرهاق… كلها ليست فقط ردود فعل، بل آثار متراكمة لسنوات من الضغط والخوف. كأن الجسد يحتفظ بما لم يُحكَ، ويعبّر عنه بطريقته الخاصة. في لبنان، لا يعيش الإنسان الصدمة فقط في عقله، بل في جسده، في نبضه، في تعبه اليومي.
ومع ذلك، هناك جانب إنساني آخر لا يمكن تجاهله: القدرة على الاستمرار. ليس بالضرورة "قوة" كما يُقال دائمًا، بل أحيانًا مجرد محاولة للبقاء. يضحك الناس، يمزحون، يصنعون لحظات فرح صغيرة، وكأنهم يقاومون بطريقتهم الخاصة. لكن هذا لا يعني أن الألم اختفى، بل إنه تعلّم كيف يختبئ.
هنا تبرز مفارقة مؤلمة: اللبنانيون يتذكرون كثيرًا، لكنهم لا يتذكرون معًا. لا توجد ذاكرة واحدة تجمعهم، بل ذكريات متفرقة تبقي المسافة قائمة بينهم. وهذا ما يجعل بناء مستقبل مشترك أمرًا معقدًا، لأن أي مستقبل يحتاج إلى ماضٍ مفهوم، أو على الأقل مُعترف به.
في النهاية، السؤال ليس فقط كيف نعيش بعد الصدمة، بل كيف نفهمها. كيف نحوّل الألم إلى معنى، والخوف إلى وعي، والذاكرة إلى شيء يمكن احتماله. لأن ما لا يُفهم، يبقى يتكرر. وما لا يُقال، يبقى يعيش في الداخل.
ربما لا يملك لبنان اليوم كل الإجابات، لكنه يملك شيئًا إنسانيًا جدًا: هذا الإصرار الصامت على الاستمرار، رغم كل شيء. وهذا بحد ذاته، ليس حلًا… لكنه بداية.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/11/2026 12:45:00 PM
قوة الدولار وارتفاع الذهب معاً "دليل على قلق عالمي".
ايران 4/12/2026 6:50:00 AM
وزير الخارجية الباكستاني يدعو الولايات المتحدة وإيران إلى مواصلة الالتزام بوقف إطلاق النار
تحقيقات 4/12/2026 9:22:00 AM
تتعامل وزارة الصحة مع هذا الملف بتكتم شديد وعدم الإفصاح عن أرقام الجثث المجهولة الهوية. فالقضية معقّدة، تتداخل فيها صلاحيات جهات عدة.