بين الإنسانية والاستغلال: دور رواد مواقع التواصل خلال العدوان على لبنان
قاسم محمد العزير
في زمن الحروب، لا تتكشف فقط هشاشة البنية التحتية والواقع السياسي، بل تُكشف أيضاً حقيقة الإنسان، فرداً كان أم جماعة. ومع العدوان على لبنان، لم تعد ساحات المواجهة محصورة في الجبهات العسكرية، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث لعب رواد مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما "التيك توكرز" والمؤثرون، دوراً لافتاً ومثيراً للجدل في آنٍ معاً.
فمع تصاعد وتيرة القصف والتهجير، وجد آلاف اللبنانيين أنفسهم في مواجهة مصير مجهول، بلا مأوى ولا موارد كافية. عندها، تحوّلت منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" و"فيسبوك" إلى مساحات بديلة للإغاثة، حيث برز عدد من المؤثرين الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية إنسانية حقيقية. هؤلاء لم يكتفوا بنقل الصورة، بل نزلوا على الأرض، وثّقوا معاناة الناس، أطلقوا حملات تبرع، وساهموا في تأمين الغذاء والدواء والمأوى للمتضررين. بعضهم استخدم شهرته كأداة ضغط لإيصال الصوت إلى الخارج، ونجح في استقطاب مساعدات من مغتربين وجهات دولية، ليكونوا نموذجاً يُحتذى في تحويل التأثير الرقمي إلى فعل إنساني ملموس.
في المقابل، لم يكن المشهد ناصعاً بالكامل. فكما في كل أزمة، برزت فئة أخرى اختارت الوقوف على الحياد، مكتفية بالمراقبة أو حتى بالاستمرار في نشر محتوى ترفيهي لا يمتّ بصلة إلى واقع الناس المؤلم. هذا الانفصال بين ما يعيشه الناس على الأرض وما يُعرض على الشاشات أثار موجة غضب واسعة، إذ اعتبر كثيرون أن الصمت أو التجاهل في زمن المعاناة هو شكل من أشكال التخاذل، إن لم يكن تواطؤاً غير مباشر.
لكن الأخطر من ذلك، كان ظهور فئة ثالثة استغلت الحرب بشكل فجّ لتحقيق مكاسب شخصية. فقد انتشرت حملات تبرع وهمية، وحسابات تدّعي جمع الأموال للمتضررين، ليتبيّن لاحقاً أن جزءاً منها كان مجرد عمليات احتيال منظّمة. بعض هؤلاء استغلوا ثقة المتابعين وتعاطفهم، وجيّروا المأساة لمصالحهم الخاصة، ما أدى إلى ضياع أموال كان من المفترض أن تصل إلى العائلات المنكوبة. هذا السلوك لم يقتصر أثره على الخسائر المادية فحسب، بل ساهم أيضاً في زعزعة الثقة العامة بأي مبادرة إنسانية تُطلق عبر الإنترنت.
إن هذا التباين في الأدوار يعكس واقعاً أعمق يتعلق بطبيعة التأثير الرقمي وحدوده. فالمؤثر ليس بالضرورة إنساناً مسؤولاً، والشهرة لا تعني بالضرورة الوعي أو النزاهة. وفي ظل غياب الرقابة الفعالة على المحتوى الرقمي، تصبح المسؤولية مضاعفة، سواء على صانعي المحتوى أنفسهم أو على الجمهور الذي يمنحهم الثقة والمتابعة.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى وضع معايير أخلاقية واضحة للعمل الإنساني عبر المنصات الرقمية، وإلى تعزيز ثقافة التحقق والشفافية. كما يقع على عاتق الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني دور أساسي في تنظيم عمليات التبرع، وتوجيهها عبر قنوات موثوقة تضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها.
في الخلاصة، كشفت الحرب على لبنان وجهاً مزدوجاً لمواقع التواصل الاجتماعي: وجهٌ إنساني مضيء أثبت أن التضامن لا يحتاج إلى حدود، ووجهٌ مظلم استغل الألم لتحقيق الربح. وبين هذين الوجهين، تبقى الحقيقة واحدة: في الأزمات، لا يُقاس الإنسان بما يملكه من متابعين، بل بما يقدّمه من مواقف.
نبض