من مهلة ترامب إلى مضيق هرمز... لحظة يُعاد فيها تعريف ميزان القوة في العالم

منبر 07-04-2026 | 12:33

من مهلة ترامب إلى مضيق هرمز... لحظة يُعاد فيها تعريف ميزان القوة في العالم

حين يتحدث رئيس أميركي عن فرض رسوم عبور في أحد أهم الممرات العالمية، نحن لا نكون أمام تهديد عسكري فقط، بل أمام محاولة لفرض قواعد جديدة على حركة الطاقة في العالم،
من مهلة ترامب إلى مضيق هرمز... لحظة يُعاد فيها تعريف ميزان القوة في العالم
الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزوجته ميلانيا يلقيان كلمة بمناسبة عيد الفصح في حديقة البيت الأبيض (أ ف ب)
Smaller Bigger

حسن درغام (*)

 

لم يعد العالم ينتظر انتهاء مهلة دونالد ترامب

بل ينتظر ما إذا كانت هذه الساعات ستُطلق تسوية تُفرض بالقوة،

أم تفتح الباب أمام إعادة رسم ميزان القوة في العالم،

انطلاقاً من مضيق هرمز.

الساعات الأخيرة… العالم لا يترقّب مهلة دونالد ترامب بقدر ما يترقّب اتجاه بوصلة إنذاره الأخير.

لم تعد المسألة "48 ساعة" كما بدأت، ولا تمديد المهلة ليومٍ إضافيٍّ أُعطي في اللحظات الأخيرة، بل تبدو هذه المهلة آخر أوراق الضغط التي تُستخدم لدفع إيران إلى القبول بالتنازل والموافقة على الشروط المطروحة عليها، تحت التهديد بإعادتها إلى العصور الوسطى.

من هنا، لم تعد المهلة مجرد عدٍّ تنازلي، بل أداة يسعى من خلالها دونالد ترامب إلى فرض إرادته على مسار الحرب ونتائجها، بعد أن أعاد ترتيب أولوياته، ليصبح التحكّم بمضيق هرمز يتقدّم على ما عداه من شروط، سواء في ما يتصل بالملف النووي أو الصواريخ الباليستية أو تمدّد إيران عبر وكلائها في الإقليم.

ما يشي بأننا أمام تحوّل جيوسياسي كبير في المنطقة، سواء عبر الحرب أو التسوية، وكأن إدارة ترامب اكتشفت خلال الحملة العسكرية أنّ مضيق هرمز يفوق في أهميته حتى الأربعمئة كيلوغرام من اليورانيوم التي شكّلت في البداية الهدف الأساسي لهذه الحرب.

فما قاله ترامب في الساعات الماضية، من إعلان "النصر"، إلى التهديد بتدمير البنية التحتية الإيرانية خلال ساعات، إلى الحديث عن فرض قواعد جديدة للعبور في المضيق، لا يمكن اختزاله بالتصعيد المعتاد، بل يعكس انقلاباً على ما كان مُعلناً من أهداف هذه الحرب، ومحاولة لفرض نتائجها سياسياً قبل أن تُحسم في الميدان.

بهذا المعنى، لم تعد المهلة مجرد إطار زمني، بل لحظة يُعاد فيها رسم شروط التفاوض مسبقاً، بحيث يصبح أي اتفاق لاحق استجابة لهذه الضغوط، لا نتيجةً لما يمكن تحقيقه عسكرياً.

في هذا الإطار، لا يمكن فهم هذه اللحظة خارج سياقها التاريخي. فمنذ صلح وستفاليا عام 1648، الذي أنهى الحروب الدينية في أوروبا وأرسى مبدأ سيادة الدول، بدأ يتشكّل النظام الدولي الحديث على قاعدة الاعتراف المتبادل بالحدود والسلطات.

ثم جاء مؤتمر فيينا عام 1815 ليؤسس لنظام توازن القوى، حيث لم يعد الهدف إلغاء الخصم، بل منعه من التفوق المطلق. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، انتقل هذا التوازن إلى مستوى عالمي ضمن نظام ثنائي القطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

وفي قلب هذه المرحلة، لعب هنري كيسنجر دوراً محورياً في إدارة هذا التوازن خلال الحرب الباردة، من خلال ترسيخ مفهوم "الاستقرار عبر الردع". وقد شكّل اللقاء التاريخي بين ريتشارد نيكسون وماو تسي تونغ في بكين عام 1972 لحظة مفصلية أعادت رسم التوازنات الدولية.

أما زبغنيو برجنسكي، فقد اعتبر أن أوراسيا (أي الكتلة الجغرافية الممتدة من أوروبا إلى آسيا) هي "رقعة الشطرنج الكبرى" التي يتحدد عليها مصير السيطرة العالمية.

أما مع سقوط جدار برلين عام 1989 وتفكك الاتحاد السوفياتي، فقد دخل العالم مرحلة الهيمنة الأميركية الأحادية، غير أنّ هذه المرحلة لم تدم طويلاً. فسرعان ما برزت الصين كقوة اقتصادية صاعدة، ليعود العالم تدريجياً إلى نمط جديد من الصراع يمكن وصفه بـ"الحرب الباردة الجديدة" بين بكين وواشنطن.

فهذا الصراع لم يعد عسكرياً بالمعنى التقليدي فقط، بل أصبح صراعاً على مفاتيح الاقتصاد والتكنولوجيا، من الذكاء الاصطناعي إلى شبكات الاتصالات، إضافة إلى المواد الخام الاستراتيجية ومصادر الطاقة، وممرات التجارة العالمية التي تعيد الصين رسمها عبر مبادرة "الحزام والطريق".

ولا يقلّ أهمية عن ذلك السباق على أشباه الموصلات (الرقائق الإلكترونية)، التي أصبحت عنصراً حاسماً في تحديد ميزان التفوق التكنولوجي بين القوى الكبرى.

فالصين، التي يبلغ ناتجها المحلي نحو 18 تريليون دولار، ويتجاوز حجم تجارتها الخارجية 6 تريليونات دولار سنوياً، أصبحت مركزاً رئيسياً للإنتاج العالمي، فيما لا تزال الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم بحجم يتجاوز 27 تريليون دولار، إلى جانب كونها القوة العسكرية الأولى.

وبين هذين القطبين، يتشكل توازن جديد لا يقوم على الردع النووي فقط، بل على السيطرة على الممرات الحيوية والتكنولوجيا وتدفّقات الطاقة.

ومن هنا تحديداً، لم يعد امتلاك الأرض كافياً لامتلاك القرار، بل باتت القوة تُقاس بقدرة الدول على فرض شروط استخدام الجغرافيا نفسها.

فحين يتحدث رئيس أميركي عن فرض رسوم عبور في أحد أهم الممرات العالمية، نحن لا نكون أمام تهديد عسكري فقط، بل أمام محاولة لفرض قواعد جديدة على حركة الطاقة في العالم، وإعادة تعريف سيادة الدول على بحارها وممراتها.

ليتحوّل مضيق هرمز من ممر بحري أساسي، إلى أداة تحكّم استراتيجية بأسعار الطاقة وبشبكات الإمداد العالمية التي يقوم عليها استقرار الاقتصاد الدولي.

وفي هذا السياق، تكشف المعلومات أن إيران قدّمت رداً من عشر نقاط وُصف بأنه  maximalist، ما يعكس فجوة كبيرة بين الطرفين، فيما تبدو فرص التوصل إلى اتفاق قبل انتهاء المهلة محدودة رغم استمرار المفاوضات.

وبحسب هذه المعطيات، يجري البحث في اتفاق من مرحلتين: وقف إطلاق نار مؤقت، يعقبه تفاوض على تسوية شاملة. غير أن العقدة الأساسية تبقى في إصرار إيران على ضمان إنهاء دائم للحرب، لا مجرد هدنة.

في المقابل، يواصل ترامب رفع سقف التهديد، مؤكداً أن الرد الإيراني "مهم لكنه غير كافٍ"، ومهدداً بتدمير البنية التحتية الحيوية في حال عدم التوصل إلى اتفاق، في وقت تضغط فيه إسرائيل لعدم القبول بوقف إطلاق النار.

هذا التداخل بين التصعيد والتفاوض يعكس طبيعة المرحلة: حرب تُدار بالتوازي مع مفاوضات، حيث يتحول التهديد بحد ذاته إلى أداة تفاوض.

لكن المخاطر تبقى قائمة. فاستهداف البنية التحتية أو الممرات الحيوية قد يدفع نحو اضطراب اقتصادي واسع النطاق، ويفتح الباب أمام مواجهة يصعب احتواؤها.

ومع اقتراب انتهاء المهلة، يجد العالم نفسه أمام مفترق حاسم:

إمّا أن تنجح استراتيجية الضغط القصوى في فرض تسوية سريعة،
أو أن تتحول هذه اللحظة إلى بداية مواجهة أوسع.

لكن المؤكد أن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة، بل لحظة يُعاد فيها تعريف من يملك القرار، ومن يملك الممرات، ومن يملك القدرة على فرض شروط عمل الجغرافيا نفسها.

فما يجري لا يختبر فقط حدود القوة العسكرية، بل يختبر أيضاً من يملك القدرة على التحكم بمفاصل الحركة في العالم—تماماً كما وصفها برجنسكي: رقعة شطرنج كبرى تُحسم عليها موازين القوى.

في هذه الساعات، لا ينتظر العالم فقط نتيجة مهلة، بل يراقب إن كانت هذه اللحظة ستُكرّس انتقالاً من نظام يقوم على توازن القوى، إلى نظام جديد تُقاس فيه القوة بقدرة الدول على التحكم بالجغرافيا نفسها.

قد لا تكون مهلة الـ48 ساعة مجرد إنذار…

بل لحظة يُعاد فيها رسم من يملك القرار في العالم

لا من يملك القوة فقط، بل من يملك القدرة على فرض قواعد استخدام الجغرافيا نفسها.


(*) مهندس وكاتب سياسي

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 4/5/2026 12:21:00 PM
السعودية: نُدين الإساءات غير المقبولة للرموز الوطنية للإمارات أثناء الاعتداء على سفارتها 
الخليج العربي 4/5/2026 4:30:00 PM
قرقاش: لا يسعني إلا أن أُحيّي صمود وثبات مملكة البحرين الشقيقة
الخليج العربي 4/5/2026 1:44:00 PM
الاعتداءات تسببت بأضرار مادية جسيمة... ولم تُسجَّل أي إصابات بشرية.