حين يصمت القصر… وتتكلم القرى بصمودها

منبر 07-04-2026 | 12:16

حين يصمت القصر… وتتكلم القرى بصمودها

في زمنٍ تتساقط فيه الضمانات واحدةً تلو الأخرى، وتغيب فيه الدولة عن واجباتها الأساسية، يبقى السؤال الأشد إلحاحاً: من يحمي من بقي متمسكاً بأرضه، بإيمانه، وبكرامته؟
حين يصمت القصر… وتتكلم القرى بصمودها
تشييع كاهن القليعة الأب بيار الراعي (النهار).
Smaller Bigger
دميا معوض جبور


في زمنٍ تتساقط فيه الضمانات واحدةً تلو الأخرى، وتغيب فيه الدولة عن واجباتها الأساسية، يبقى السؤال الأشد إلحاحاً: من يحمي من بقي متمسكاً بأرضه، بإيمانه، وبكرامته؟

في قرى الجنوب، لا يُقاس الصمود بالكلمات، بل بتفاصيل الحياة اليومية. هناك، حيث ينام الناس على قلقٍ دائم، ويستيقظون على إصرارٍ عجيب على البقاء. 
المسيحيون الذين رفضوا الرحيل، لا يفعلون ذلك عن عناد، بل عن إيمان عميق بأن الأرض ليست مجرد مكان… بل هوية ورسالة.

أذكر جيداً تلك المكالمة التي وصلتني من سيدةٍ في إحدى قرى الجنوب. لم تكن تبكي… لكن صوتها كان مثقلاً بما هو أعمق من الدموع. قالت لي: "نحن هنا… لم نغادر. الأولاد ينامون أحياناً على صوت الخوف، لكنهم يستيقظون لنذهب إلى الكنيسة،لنفتح النوافذ، لنُشعل النور كأن الحياة عادية".
توقّفت قليلاً ثم أضافت "ليس لدينا الكثير… لكن لدينا بعضنا، ولدينا إيماننا".

في ذلك اليوم، لم أشعر أنني أتحدث مع امرأة واحدة، بل مع قريةٍ كاملة تختصر وجعها بكلماتٍ قليلة. قريةٌ تُصرّ أن تبقى، لا لأنها لا تخاف، بل لأنها ترفض أن تُقتلع. هناك، يصبح الصمود فعلاً يومياً بسيطاً: خبزٌ يُحضّر، شمعة تُضاء، بابٌ يُفتح رغم كل شيء.

ورغم هذا الثبات، يقف الإهمال الرسمي كجرحٍ مفتوح. 
أين الدولة؟ أين الجيش اللبناني الذي وُجد ليحمي أبناءه دون تمييز؟ كيف تُترك قرى بكاملها في مواجهة الخوف، وكأنها خارج حدود الوطن؟

الألم لا يتوقف هنا، بل يتضاعف حين يتحوّل الصمت إلى موقف. حين ننتظر كلمة، خطاباً، حضوراً معنوياً يطمئن القلوب، فلا نجد سوى الغياب. 
 في زمن الحاجة، بدا القصر بعيداً… بعيداً جداً.

ولعلّ الأصعب في كل هذا، ليس ما نراه فقط، بل ما لا نراه. لست أدري إن كنا نظلم من في موقع المسؤولية، أم أننا ببساطة لا نُدرك ما يجري خلف الكواليس. قد تكون هناك جهود تُبذل بعيداً عن الأضواء، واتصالات لا نسمع عنها، ومحاولات لا تصل إلينا.

لكن، في زمن الخوف، لا يكفي أن تُدار الأزمات بصمت.
 الناس لا تعيش في الكواليس، بل في واقع يومي مليء بالقلق والترقّب. 
وما تحتاجه ليس فقط إدارة، بل حضور. 
كلمة تُقال في وقتها، صوت يُطمئن، إشارة تُعيد بعض التوازن إلى قلوبٍ أنهكها الانتظار.
وفي المقابل، تظهر صورٌ أخرى لا يمكن تجاهلها. السفير البابوي، الذي لم يتردّد في النزول إلى الأرض، في الوصول إلى القرى، في حمل المساعدات بيديه، معرّضاً نفسه للخطر، فقط ليقول للناس: أنتم لستم وحدكم. بين صمتٍ رسمي، وحضورٍ إنساني، تتكشّف المفارقة المؤلمة.

وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أستطيع أن أكون محايدة. أنا ابنة هذا الوطن، وأمّ تخاف كما يخافون، وتأمل كما يأملون. أعرف أن الصمود ليس شعاراً، بل ثمنٌ يومي يُدفع من الأعصاب والقلق والإيمان. وربما لهذا، حين أسمع تلك الأصوات القادمة من القرى، أشعر أنها لا تحكي عن نفسها فقط… بل عنّا جميعاً.

وحين يصمت القصر… لا يبقى سوى القرى لتتكلم. 
لكنها، مهما صمدت، لا يجب أن تُترك لتتكلم وحدها.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 4/5/2026 12:21:00 PM
السعودية: نُدين الإساءات غير المقبولة للرموز الوطنية للإمارات أثناء الاعتداء على سفارتها 
الخليج العربي 4/5/2026 4:30:00 PM
قرقاش: لا يسعني إلا أن أُحيّي صمود وثبات مملكة البحرين الشقيقة
الخليج العربي 4/5/2026 1:44:00 PM
الاعتداءات تسببت بأضرار مادية جسيمة... ولم تُسجَّل أي إصابات بشرية.