فخ التصعيد: لماذا تخسر أميركا كلما انتصرت؟من
أحمد شهاب - الكويت
في نظرية إدارة الأزمات، ثمة فارق جوهري بين "التحالف كآليةٍ شرعية" و"الصدام كأداةٍ فردية". هذا الفارق هو ما ميّز مدرسة الرئيس السابق باراك أوباما عن مدرسة الرئيس الحالي دونالد ترامب، فالأول حين تعامل مع الملف النووي الإيراني، اعتمد على بناء تحالفٍ دولي واسع وتفاوضٍ جماعي وصل إلى الاتفاق النووي عام 2015، مما منح القرار شرعيةً دولية وأبقى الخيارات الديبلوماسية مفتوحةً، وأمن المنطقة مستقراً. أما ترامب فسار على العكس تماماً إذ حوّل المواجهة مع إيران إلى صراعٍ عسكري، واتخذ قرار الحرب منفرداً مع حليفه بنيامين نتنياهو، وحاول أن يُقحم الدول في الحرب قسراً، فخسر الحلفاء قبل أن يكسب المعركة.
في السياسة الدولية لا يكفي أن تكون على حق، بل يجب أن تُقنع العالم بأنك كذلك، وهذا الدرس غفلت عنه الإدارة الأميركية الحالية، مما جعل المواجهة تقترب من المأزق الروسي في أوكرانيا، حين اجتاحت موسكو كييف عام 2022، راهنت على إسقاط نظام زيلينسكي بالصدمة خلال أيام، لكنها وجدت نفسها غارقةً في حرب استنزافٍ بلا أفق. واليوم تراهن واشنطن على أن القصف الجوي سينهي المعركة لكننا أمام حربٍ بلا نهاية، فإما أن تتواضع واشنطن في طموحاتها، وإما أن تستمر المنطقة تحت صفيحٍ ساخن.
وهنا تكمن المفارقة التي يتجاهلها كثيرون من المحللين، فإيران ليست أوكرانيا، وشبح الاستنزاف مختلف تماماً، فروسيا واجهت في أوكرانيا جيشاً نظامياً مدعوماً بسلاحٍ غربي متطور، وإرادة صمودٍ تغذيها شرعية المقاومة. أما إيران، فتعتمد على استراتيجية "الحرب الهجينة" التي تعتمد على صواريخٍ دقيقة وهجماتٍ سيبرانية وتهديدٍ للملاحة، وحلفاءٍ في اليمن والعراق ولبنان، وهذا يعني أن الاستنزاف الإيراني لن يكون مستنقعاً تقليدياً، بل حرب أعصابٍ عالمية تطاول أسعار النفط وأمن الطاقة وسلاسل التوريد.
أود هنا أن ألفت الى أن كسر القواعد الدولية التي يعشقها ترامب، لا تصنف على أنها جرأة محمودة في كل حال، بل أحياناً تكون لها انعكاسات بالغة الخطورة. وفي هذا الصدد نظّر الاقتصادي الأميركي توماس شيلينغ لأسلوب إدارة الأزمات الناجحة عبر تسلق درجات التصعيد تدريجاً: تحذيرات، عقوبات، حشد دولي، ضربات محدودة، ثم الحرب الشاملة. ومن فضائل هذا السلّم انه يمنح الخصم فرصاً للتراجع، ويبني شرعيةً دولية لكل درجة.
هذه الاستراتيجية اتبعها بوش الأب حين صعد السلّم ببطء في حرب تحرير الكويت عام 1990، واتبعها باراك أوباما في المفاوضات النووية عام 2015، وحصل كلاهما على دعمٍ دولي في كل خطواتهما. أما ترامب فقفز إلى قمة السلّم من أول خطوة، وذهب بعيداً في التهديدات الوجودية، والدخول في حربٍ شاملة من دون بناء أرضيةٍ مشتركة، والنتيجة أن الخصم لم يجد مجالاً للتراجع من دون فقدان ماء الوجه، فتحول الصراع من الدفاع عن الأرض إلى الدفاع عن الكرامة، وهذا هو "فخ التصعيد الصفري" إما النصر الكامل وإما الحرب بلا نهاية.
ولعل المشكلة البالغة الخطورة أن الحرب الطاحنة بكل تداعياتها لا تدور على الاراضي الاميركية، وإنما على أراضي الخليج العربي التي وجدت نفسها في قلب معركةٍ لم تخترها، وتدفع ثمنها مرتين، مرةً باستقرارها الأمني، ومرةً بأسواقها واقتصاداتها. وهذا الواقع يستدعي دوراً إقليمياً فاعلاً يستثمر ورقة الطاقة والعلاقات المتشعبة مع القوى الكبرى للدفع نحو تسويةٍ تُعيد الأزمة إلى مسار التفاوض.
ومن المؤكد أن دول المنطقة لديها من الأوراق ما يمكّنها من تصحيح مسار الحل، فالحرب المفتوحة لا تنتهي بمنتصرٍ واضح، بل بمنطقةٍ منهكة ومديونة لقراراتٍ لم تشارك في صنعها، ولذا فالتسوية السياسية هي الخيار الأقل تكلفة والأبعد نظراً في مواجهةٍ بالغة الخطورة بلا سقفٍ ولا أفقٍ واضح.
نبض