"يا رايح صوب رميش دخلك وصّلي سلام"... بين البقاء والرحيل، رميشي عنيد

منبر 07-04-2026 | 09:30

"يا رايح صوب رميش دخلك وصّلي سلام"... بين البقاء والرحيل، رميشي عنيد

يا منموت كلنا، وبتروح ضيعتنا، يا منعيش، وبتعيش ضيعتنا". 
"يا رايح صوب رميش دخلك وصّلي سلام"... بين البقاء والرحيل، رميشي عنيد
بلدة رميش (أحمد منتش).
Smaller Bigger

 مارفن عجور

 

 

 

يا منموت كلنا، وبتروح ضيعتنا، يا منعيش، وبتعيش ضيعتنا". بهذه الكلمات، جسّد الأب نجيب العميل أرزة رميش الشامخة، رغم احتدام الوضع في ظلّ الحرب الدائرة. كلام العميل لم يأتِ عبثًا، إنّما اختصرَ  صفات أهالي رميش التي جعلت منهم روّادًا في الصمود، فيكفي أن تُحدّق في وجوهم لترى السعادة التي تسودها. هذه السعادة إيمانٌ يهزم الخوف، وأعيادٌ تُجابه الحروب. هذه السعادة الأبيّة تركت جذورها، ففي كلّ مرّة تثور، وتتمرّد، لتكون محورَ الانتصار رغمَ ادراجها محورًا للاستهداف.

في صباح الأحد الماضي، استيقظ أهالي رميش على موجة غارات جديدة تستهدفُ أرضهم، بيد أنّهم غسلوا وجوههم، وارتدوا ملابس الشعانين،  وتوجّهوا إلى كنائس البلدة للصلاة، والتضرّع لله، وقضاء وقتِ العيد بالقرب من بعضهم بعضًا ككلّ عامٍ، فالحربُ لا تقوى على إنسان السّلام القاطن في زوايا رميش الوطيدة.

في هذا اليوم، انتابت الأهالي أسئلةٌ وجوديّةٌ صعبةٌ: "أنموت بطيئًا في منازلنا ونُخبّئ رؤوسنا من الضربات القاسية الموجّهة إلينا؟ أم نرحل من هنا ونترك بلدتنا تنزفُ دونَ أن نُضمّد جراحها؟ أهكذا يُعامل الابن أمّه؟ أليس الرحيل عن الأرض كطلاق زوج وزوجته؟ أليس الخوف من الجذور كذبحِ الهُوّيات؟ أليس الانسحاب من المعركة، كالأخ الذي خان اخته؟" فرميش هي الأمّ، والزوجة، والأخت، والصديقة. رميش هي دورة الحياة كُلّها.

من حقّ ابن رميش أن يبقى. وعناده على البقاء قد ينتج عن تمرّد على قيود الحياة الصارمة، التي ما ينبغي أساسًا أن تنوجد. من حقّ ابن رميش أن تكون له حياة، مجرّدة من كلّ حياة أساسها الموت.

لم يستسلم الرميشي يومًا للقدر. ظلَّ مؤمنًا بلبنان. ظلَّ يشدُّ بلحاف محبّة الوطن ليُدفّئ قلبه من صقيع الحروب. لقد غرست فيه بلدته صفات الأمل، والسلام، ومعاونة الغير، والاتحاد في عاصفة التفرقة. لملم اخوانه الرميشيين واللبنانيين كلهم شظايا واتحدوا سوّيًا ليبقى من الكوب بعض المياه التي تمنحهم طاقة الاستمرار. استعدّوا ليخوضوا معركةً دائمةً لا تعرفُ طريقًا مسدودًا. وكانت الحرب بمثابة تعبير عن وحدتهم الوطنية، فمن الجنوب من نزح الى بيروت وكانت المدينة تستقبله بسعادة عارمة تهزم ملامح وجهه الشاحبة، ومن الجنوب من صمد مع عائلته وتكاتفوا معًا، بمحاذاة ذكرياتهم. ربّما لا يريدون سلاحًا يقتلهم، ويريدون اتفاقياتٍ لوقف إطلاق النار، لكنّهم لا يلاحظون، أنّ عزيمة الوجود هي أعظم اتفاقية سلام. الحرب أرضية، أمّا أسبابها فقلبية، ومواجهتها  روحانيّة. كتب عالم النفس"ويليام جيمس" مقالًا مهمّا بعنوان "المعادل الأخلاقي للحرب" في عام 1910، وكان، في ذلك، أوّل من يحقق في الأسباب النفسية وراء اندلاع الحروب. ويقول إنَّ الحروب كانت منتشرة جدًّا بسبب آثارها النفسية الإيجابية سواء على الفرد أو المجتمع. ويرى جيمس أن الآثار الإيجابية للحرب على المستوى الاجتماعي تتمثل في خلق شعور بالتكاتف والوحدة الوطنية في وجه التهديد الجماعي بتوحيدها لصفوف الناس معًا. نستنتج من هذا المقال حالة المواطنين اللّبنانيين الذين كلّما انقطع الأوكسيجين عنهم، ابتدعوا في خلق آلاف الطرق ليرقصوا فوق مقابرهم التي بنتها الويلات الاقليمية، وقدّمتها أطباقًا شهيّة للأعداء ليمضغوا مشهدها بلذَة، وسخرية. ثار اللّبناني الميّت على الموت، فهو يقبل أن يكون شدّة، على أن يكون سكونًا في كلمة من المؤسف أن تحصده باكرًا، وعبثًا.





نعم، هكذا نعيش في زمن الموت. قد نصوم عن الأيام الطبيعية صيامًا قسريًّا، ونأكل من شجرة الزيتون، فيبقى الإيمان راسخًا، لكن الإيمان هذا يعتصره حزن، الذي نعجز عن الصيام عنه، وذلك يتجسّد في مراحل الحزن الخمس التي يُحدّثنا عنها علم النفس، فهي تبدأ من الإنكار، لتبلغ ختامًا مرحلة قبول الحزن وفضحه مهما حاولنا تخبئته.

 لست ابن رميش،  ولم أولد هناك، لكنّني فرضتُ نفسي عليها، وفرضي يزداد حدّةً، كلّما تعمّد الأعداء محوها، وهي لا تزال تكتب نفسها من جديد، وأنا بعادتي من محبّي الأقلام التي لا ينفد حبرها مهما استُهلكت في صفحاتٍ وكتبٍ. اليوم، لست أصّلي لتقوم رميش، لأنّ رميش لا تحتاج شمعةً نُضيئها من أجلها، فهي الشمعة التي لن يُخفى ضوؤها، وهي القيامة، التي لا تليق بها الأنقاض. قد ننتمي إلى رميش، لأنّها تتسع للوطن، ونحن أبناء هذا الوطن، ننتمي إلى كلّ ما فيه. رميش الصامدة نصبت في تكاتف أولادها تمثالًا في الوفاء لأرض لن تكون لأحد سوانا. اليوم، أشكر منصات التواصل الاجتماعي، والجامعات، والمدارس، لأنّها حضنت أنفاس رميشيين نقلوا إلينا تعريفًا عن هذا الجبل، والصخر، عن هذه البقعة ذات المساحات الجاهلة الحدود، فإذا اخترتها يومًا مشروعًا أكاديميًّا أم عمليًّا، لشكّلت صدمةً للجميع، لأنّ مقدّمتي عنها ستُختصر بكلمة "حلم"، أمّا الخاتمة فلن نبلغها، لأنّني حتمًا سأوقف تقديم المشروع، وأنطلق مع الحضور المنبهر، إلى رميش لنتأكّد ما إذا كانت حلمًا أم واقعًا، فهي سماءٌ على الأرض، وجنّة حلُمنا بها، وكانت حقيقة! 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 4/5/2026 12:21:00 PM
السعودية: نُدين الإساءات غير المقبولة للرموز الوطنية للإمارات أثناء الاعتداء على سفارتها 
الخليج العربي 4/5/2026 4:30:00 PM
قرقاش: لا يسعني إلا أن أُحيّي صمود وثبات مملكة البحرين الشقيقة
الخليج العربي 4/5/2026 1:44:00 PM
الاعتداءات تسببت بأضرار مادية جسيمة... ولم تُسجَّل أي إصابات بشرية.