بحثاً عن "سادات" لبناني

منبر 06-04-2026 | 09:39

بحثاً عن "سادات" لبناني

"إن في حياة الأمم والشعوب لحظات يتعيّن فيها على هؤلاء الذين يتّصفون بالحكمة والرؤية الثاقبة، إلى أن ينظروا إلى ما وراء الماضي، بتعقيداته ورواسبه، من أجل انطلاقة جسورة نحو آفاق جديدة". بهذه العبارة خاطب الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، الشعب الإسرائيلي، متمثلاً بأعضاء الكنيست، كما الشعبين المصري والعربي معاً، في العشرين من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1977.
بحثاً عن "سادات" لبناني
الرئيس المصري الراحل انور السادات
Smaller Bigger

نديم شاهين

 

 

"إن في حياة الأمم والشعوب لحظات يتعيّن فيها على هؤلاء الذين يتّصفون بالحكمة والرؤية الثاقبة، إلى أن ينظروا إلى ما وراء الماضي، بتعقيداته ورواسبه، من أجل انطلاقة جسورة نحو آفاق جديدة". بهذه العبارة خاطب الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، الشعب الإسرائيلي، متمثلاً بأعضاء الكنيست، كما الشعبين المصري والعربي معاً، في العشرين من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1977.
ها قد قام بالمستحيل، بعدما حطّت طائرته على أرض عدوّة، قادمةً من أرض الفراعنة. كسر جميع الحواجز، وتجاوز كل المحرّمات، وأقدم على السلام. هو خليفة "الزعيم" عبد الناصر، الذي حارب الدولة العبريّة على مدى العقود الثلاثة الماضية، أولاً كجندي، ثم كمقدم في القوات البريّة، ثم كرئيساً لجمهورية مصر العربية، المتولّية قيادة الصف العربي في الصراع مع إسرائيل.
فقد حاربت مصر عدوّتها في حرب استقلالها عام 1948، وواجهت عدوانها في حرب السويس 1956، ثم شنّت عليها حربيّ الستّة أيام 1967 وتشرين الأول/أكتوبر 1973، الأخيرة بمبادرة السادات عينه، بصفته رئيساً للبلاد وقائداً أعلى لقواها المسلّحة.
لا يختلف وضع لبنان اليوم عن حال مصر في سبعينيات القرن الماضي. فبعد هزيمة 1973 المدوّية، قام السادات بمبادرات خجولة ومحدودة للتواصل إلى محادثات ثنائيّة مع الجانب الإسرائيلي، مستعيناً بوساطة الأميركيّين. لكنّه، في العام 1977، أدرك الجمود الدبلوماسي وعزم على كسره، مقرّراً إطلاق مسار تفاوض مباشر عبر المضي بخطوة استثنائية، ألا وهي زيارة القدس ولقاء الممثّلين عن الشّعب الإسرائيلي وجهاً بوجه، ومخاطبتهم بصريح العبارة العربيّة.
تولّى حينها مسؤوليّة هائلة في الإقدام بهذه الرحلة التاريخيّة التي لم يكن أي جدوى لها سوى تجنّب الحروب الأبديّة والبدء بورشة صكّ السلام الشّامل بين بلدين متغرّزة في عقول شعوبهم كلّ العداوة والكراهيّة وروح الانتقام. أعلنها حينها: "لقد جئت إليكم اليوم على قدمين ثابتين، لكي نبني حياة جديدة، ولكي نقيم السلام".
في ظلّ الحرب القائمة على لبنان اليوم، تخوّن الأصوات الداعية للسلام وتجبر على التزام الصمت. تبقى في السّكوت لعلّها لا تثير فطرة البعض وانفعالاتهم، هم الذين يفضّلون خوض غمار الحروب الدّهريّة ضد الـ"عدوّ الصّهيوني"، طامحين بتحرير القدس، وها قد بسطوا سطوتهم على لبنان، واستباحوه خدمةً لمشروع الحرس الثّوري الإيراني. أهذا قدر لبنان واللّبنانيّين؟
أخسر المصريّون شيئاً في خوضهم تجربة السلام مع إسرائيل؟ ألم يكسبوا الأمن والأمان، كما العيش باستقرار وطمأنينة نسبيّين، أقلّه على حدودهم من جهة صحراء سيناء؟ ألا يستحقّ الجنوب اللّبناني العيش كذلك، بدلاً من الإبقاء على حالة الاضطراب الدائم والدخول دوماً في النزاعات الانتحاريّة نصرةً للغير؟
لا عار في السلام. لا خيانة في المطالبة بسلامٍ عادلٍ مع الجار. ليس السلام ما يشرّد الناس من بيوتهم، وليس هو ما يجعل منهم أرامل وأيتام. ليس السلام مدمّراً للبيوت والمشافي والمدارس، ليس هو حارقاً للأراضي الزراعيّة وقاتلاً للمدنيّين العزّل، جالباً المآسي والويلات.
ألم يحن وقت السلام؟ ألسنا طامحين بحماية الحياة في أرضنا، كما بحقّ العيش بكرامة وأمان في وطنٍ لم يعرف الهدوء منذ عقود؟ ها قد دقّت ساعة تحييد لبنان عن الصراعات الراهنة، واسترجاع دولته سلطانها على أراضيها كافّة، كخطوة ضروريّة تهدف إلى إنهاء الحروب العبثيّة الذي تحمّل أعبائها لبنان، وما زال. حان الوقت لدفن النظريّات البالية التي قادت بنا نحو دوامة عنف لا تنتهي، جعلت من الشّعب اللبناني المهلك أسير مغامراتها الدامية.
ليس مع الأصدقاء يصنع السلام، بل مع الأعداء. لا تهمّ الصور التذكاريّة التي تجمع رئيس الجمهوريّة بنظيره الفرنسي أو الألماني أو القبرصي. كما فعلها السادات مراراً في أواخر سبعينيات القرن الماضي مع رئيس الحكومة الإسرائيلي مناحم بيغن، زعيم حزب الـ"ليكود" حينها، لا خيار أمام رئيس الجمهوريّة اللبناني اليوم سوى مخاطبة إسرائيل مباشرةً، لا عبر الوسطاء الخارجيين، ولا عبر الـ"ميكانيزم" المنتهيّة صلاحيّته، وبلا شكّ دون تشكيل الوفود الدبلوماسيّة حيث التمثيل الهزلي للطوائف فيه. تعلّمنا تجربة السادات أن المخاطبة المباشرة، الواضحة والصريحة، هي الوحيدة الكفيلة بإحداث خرق على درب السلام.
رئيس الجمهوريّة في لبنان، وبحسب الدستور اللبناني، إضافةً لكونه قائدً أعلى للقوات المسلّحة، هو رأس الدبلوماسيّة الوطنيّة، حيث يوجب عليه عقد المعاهدات الدوليّة، بالاتفاق مع رئيس الحكومة. المطلوب منهما اليوم كسر الجمود الطاغي على مسار التفاوض، والتوجّه نحو مخاطبة إسرائيل ومسؤوليها بطريقة مباشرة، والدّفع نحو إقامة سلام مدروس وعادل بين البلدين، ينهي حالة الحرب بينهما، يشمل كافّة الملفّات، من إنهاء الوجود العسكري في الجنوب وترسيم نهائي للحدود بين البلدين، كما التوصّل إلى حلّ يعالج قضية العائلات الجنوبيّة المُبعدة قسراً.

نحن بحاجة اليوم إلى "سادات" لبناني، بجرأته وشجاعته، يقوم بما يُعتبر من سابع المستحيلات، ولكنّه بات الخيار الوحيد لإنهاء هذا الصراع الدامي، الداهر. العمل من أجل السلام مع من اعتُبر عدوّاً للبلاد خطوة قام بها العديد من دول عالمنا العربي، أوّلها مصر "السادات"، وآخرها الدول المنضمّة لـ"الاتفاقات الإبراهيميّة".هذا لا يعني أن الطريق نحو السلام لن تكون مليئة بالصعوبات والتعقيدات والعقبات، ولكن أثبت السادات، بعد عقود من المواجهة العسكريّة، أن الجهد الهادف نحو السلام أسمى من أي جهاد بالسّيف، لا يضيع سُدى، بل يتيح للوطن فرصة للحياة الكريمة، لعلّه يعيد لنا الحقّ في العيش الهنيء على أرضنا.
قدّم السادات التضحية القسوة، واغتيل عام 1981 على أيدي الغدر الإرهابي بسبب مساعيه نحو السلام. رغم ذلك، تحوّلت مبادرته المبدئيّة إلى حالة مستدامة وثابتة من السلام والأمان بين مصر وإسرائيل، هو الذي امتهن خوض الحروب ضدّها. فهل نرى في لبنان أحداً يتبع خطاه؟ ومن له أذنان للسمع، فليسمع…


المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 4/5/2026 12:21:00 PM
السعودية: نُدين الإساءات غير المقبولة للرموز الوطنية للإمارات أثناء الاعتداء على سفارتها 
الخليج العربي 4/5/2026 4:30:00 PM
قرقاش: لا يسعني إلا أن أُحيّي صمود وثبات مملكة البحرين الشقيقة
الخليج العربي 4/5/2026 1:44:00 PM
الاعتداءات تسببت بأضرار مادية جسيمة... ولم تُسجَّل أي إصابات بشرية.