الأخ نور يحمل آلامه ويذهب لملاقاة سيّده

الأخ نور يحمل آلامه ويذهب لملاقاة سيّده
الأخ نور.
Smaller Bigger

رحل اليوم "الأخ نور". قليلون لم يسمعوا به، والأقل منهم الذين عرفوه من قرب. هو الهارب من الأضواء رغم أنه كان الإعلامي المسيحي الأول في لبنان بعدد الأعمال الإعلامية التي ساهم فيها أو أنشأها، وفي طليعتها مؤسسة "تيلي لوميار" وما يتفرع عنها من قنوات فضائية تجاوزت العشر.

 

التقيته ذات يوم، في مكتبه، في محطة "تيلي لوميار" و"نورسات" في منطقة الدورة، دخلت أسلّم عليه بعد مشاركتي في برنامج تلفزيوني، ولم أكن قد تعرفت إليه من قبل. دخلت غرفة معتمة، خالية من ضوء إلا شمعة صغيرة في الزاوية أمام صورة للعذراء، ورجل في الظل يلبس كيس جنفيص، وحافي القدمين. إنه النمط الذي اختاره للعيش. 

 

في الأصل لا أحبذ فكرة النسك والتقشف إلى هذا الحد، كما أكره مظاهر الغنى في الكنيسة. لم أناقشه في الأمر طبعاً. بل تحدثنا في أمور كثيرة أخرى، حتى حلّ موعد صلاته، فدعاني إلى المشاركة. لكني اعتذرت لضيق الوقت، وغادرت.

 

إنها المرة الوحيدة التقيته. لكن معرفة الأخ نور لا تحتاج إلى لقاءات مباشرة، بل تتعمق بالتعرف إلى أعماله وإنجازاته. أفعال الإنسان تدل عليه، لا كثرة الكلام والضجيج المفتعل. لم يجلس في صف أمامي، ولم يلبس صليبا ذهبا، ولم يسافر للسياحة، ولم يملك سيارة. كان هدفه الإنسان، أو خدمة الإنسان. حمل اسم "نور" ليكون النور في محيطه وقد نجح في رسالته، ويستحق اليوم أن يلاقي سيّده ويكون معه في الفردوس.

 

قال السيد المسيح للص: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ". (لو 23: 43). وإذا كانت السكنى للص في الفردوس، فأين تكون للمختارين إذاً؟

 

في تعريف عنه مؤسسا لـ"تيلي لوميار":

"وسيم الطلعة، باسم المحيا، على وجهه الملتحي علامات الخفَر والامحاء قدر ما في عينيه الخافتتين من إرادة التصميم وروح المثابرة.

حلبي الجذور لجهة أبيه التاجر جورج بسيليس، وكسرواني النشأة لجهة أمه، ابنة شقيق المطران يوسف نجم، من فتوح كسروان.

تخصص في الفلسفة وعلم الاجتماع، وعلّم في معهد الرسل - جونية قبل أن يختار مسيرة جديدة، صعبة، غيّرت منذ 1975 مسار حياته، فبدأ وهو في السابعة والعشرين، رسالة نسكية في قلب العالم، يعيش مآسيه ويستنبط له المشاريع والمبادرات، ويطلق من أجل حاجاته المؤسسات ولجان العمل، منها، على سبيل الإشارة:

إنشاء إذاعة صوت المحبة سنة 1984.

تأسيس تجمع أبناء الكنيسة للمحافظة على الأخلاق 1985.

إنشاء SOS للخدمات الرسولية والإنسانية والاجتماعية.

إقامة مؤتمرات وخلوات في أكثر من مكان وحول مواضيع مختلفة مثل: حقوق الإنسان، التربية على السلام، إلغاء عقوبة الإعدام، مكافحة العنف.

إنشاء مدينة السلام في جبيل، ومنها انطلقت مشاريع محو الأمية، المشاغل المهنية، دعم المعوقين، مساعدة المهجرين والعمل على إيواء المشردين. 

إنشاء المستوصفات - وقد بلغت الـ 27 - والعيادات النقالة وتأمين الأدوية.

إنشاء "لجنة أصدقاء المدرسة الرسمية"، و"بيت مريم"، و"فان المحبة" لإطعام المشردين على الطرق، ومركز "ملك الملوك" لمعالجة المدمنين ومتابعتهم.

إنشاء "تيلي لوميار" منذ تسعينيات القرن الماضي ومتابعة نموه حتى بلغ وفضائياته نحو عشر محطات متخصصة بالشبيبة والأولاد والقداس والسيدات...

الأخ نور، لابس الجنفيص، والصائم عن الظهور والإعلام والطعام، ظاهرة مثيرة للجدل، لكنها موضع تقدير وإعجاب من الجميع... هي ظاهرة الجيل في خدمة أجيال كثيرة آتية.

وعنه كتب الدكتور ربيعة أبي فاضل الذي خصّه بكتاب عن حياته:

"بعد بضع مقالات عن الأخ نور، مطلع تعارفنا، والانخراط في الرِّسالة الرُّوحيَّة، الإنسانيّة، الاجتماعيّة، وخلال اكتشافي تنوّع المواهب، والطاقات، والمزايا التي تُزيِّن حياته، وسلوكه، وعزيمته، خطر ببالي أن أجمع تُراثه، وأتتبّع أثره، وأفهم ظاهرته...وكنتُ كلَّما أقترب منه يبتعد، غيرً مُبالٍ بالمظاهر، وكسر المزاريب!

 

وظلَّ صوتٌ داخليّ يُلحُّ عليّ، ويأمرني بعدم تجاهل الشمس إذا غابت، وبعدم نسيان القمر إذا غمرته الغيوم! وظهر كتابي: "الأخ نور" (2019)، ليُبرزَ هذه القامة اللَطيفة، الصَّلبة، المُلهَمة، وهذا القلب العارف، المُصمِّم، الرّائي، المُفعَم بالحُب، وبنفحةِ القداسة!

 

 واليوم، وبعد العثور على نصوص - صلوات، بخَطّ يده، مع مُبارَكات عايشنه، وتشبّعن من روحيّته، أو هو تعاطفَ مع روحانيتهنَّ، ازداد يقيني بأنّ تجربته الصوفية، الفريدة، الراقية، وعباراته  الحارّة، الصّادقة، الثابتة، وثمارَ حقله الخِصب، ومعظم ما صدر عنه، داخل الكنيسة، وخارجها، إنّما كان بقوّة الرّوح!

 

قد يكون للآخرين نظرات مختلفة، وآراء متناقضة، وأسئلة، ونوع منَ الحَيرة بإزاء ما يحوط بهذه الشخصية من غموض، ومهابة، وإسراريّات، على أني أحترم الجميع، كما أحترم جَهدي المتواصل، القديم والجديد، لكي أكون مع الحقيقة من دون غلوّ، ومع النور من دون وجل، أو خوف، أو مواربة، والخروج على كنيسة الرُّسل، وروح المسيح.

 

وما شجّعني على إصدار الجزء الثاني عنه، هو إجماع الذين عرفوه، ورافقوه في نشاطه العملي، وفي رعايته الإعلام الديني، وفي عنايته بالفقراء، وفي عزلته، وزهده، وهجره العالم وهو في قلبه...إجماعهم على أنه من نسل الناصري، والأسيزي، وغاندي، وطاغور، وأهل اللوتس، والورد، والزنبق...والأناشيد الملائكيّة!"

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
ايران 4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية