الزعامة الجنبلاطية بين الثابت والمتغيّر: قراءة في البنية الاجتماعية - السياسية
عمر الحسنية
تتناول هذه الدراسة ظاهرة تبدّل المواقف السياسية لدى وليد جنبلاط، من خلال تحليل البنية الاجتماعية-السياسية للزعامة الجنبلاطية ضمن النظام اللبناني. وتفترض الدراسة أن هذا التبدّل لا يُفهم بصفته سلوكاً فردياً أو انتهازياً، بل باعتباره نتاجاً لبنيةٍ تاريخية تقوم على ثلاثية: الزعامة، الجماعة، والكيان. كذلك تفسّر استمرار شعبية جنبلاط رغم تبدّل مواقفه، لارتباط هذه الزعامة بهويةٍ جماعية تتجاوز الاعتبارات السياسية الظرفية.
يثير تبدّل المواقف السياسية لدى وليد جدلاً واسعاً بين من يعتبرها براغماتيةً سياسية، ومن يراها انتهازية. إذ عُرف الأخير بتبدّل مواقفه تبعاً لتحولات السياسية في لبنان والمنطقة. غير أن مقاربة هذه الظاهرة تتطلب تجاوز الأحكام القيمية، والانتقال إلى تحليل البنية التي تنتج هذا السلوك.
تهدف هذه الدراسة إلى تفسير هذا التبدّل من خلال فهم الأبعاد الاجتماعية- السياسية للزعامة الجنبلاطية، بصفتها جزءاً من بنية النظام الطائفي اللبناني.
أولاً: الجذور التاريخية للزعامة الجنبلاطية
تعود أصول العائلة الجنبلاطية إلى قرونٍ مضت، بحيث يُنسب أصلها إلى جانبولاد بن قاسم الكردي، الذي حكم في إطار الدولة العثمانية. وقد انتقل أحفاده إلى جبل لبنان في القرن السابع عشر بدعمٍ من فخر الدين المعني الثاني، حيث اندمجت العائلة بالبنية الاجتماعية الدرزية، وأصبحت إحدى أبرز قياداتها.
وقد تعززت هذه الزعامة عبر مسارٍ تاريخي صراعي، شهد بروز شخصيات محورية، أبرزها كمال جنبلاط الذي أسّس الحزب التقدمي الاشتراكي، وربط بين الزعامة التقليدية والعمل السياسي الحديث.
ثانياً: مرتكزات الزعامة الجنبلاطية
1-الزعامة كسلطةٍ تاريخية
تُعدّ الزعامة الجنبلاطية سلطةً متوارثة ذات طابعٍ رمزي وتاريخي، لا تقتصر على البعد السياسي فحسب، بل تمتدّ إلى المجالين الاجتماعي والثقافي. وهي سلطة تجد نفسها، بحكم تاريخها، مضطرةً إلى خوض الصراعات للحفاظ على موقعها واستمراريتها.
2-الجماعة وعلاقة الحماية والولاء
تقوم العلاقة بين الزعيم والجماعة، خصوصاً في السياق اللبناني، على معادلة الحماية في مقابل الولاء. فالزعيم يؤدي دور الوسيط بين الجماعة والدولة، ويؤمّن مصالحها في مجالات متعددة، بينها التوظيف والخدمات، ما يؤدي إلى نشوء علاقاتٍ زبائنية تعزز موقعه.
3-الكيان والتوازنات الطائفية
يعمل النظام السياسي اللبناني ضمن توازناتٍ طائفية دقيقة، ما يفرض على الزعامات السياسية اعتماد سياساتٍ مرنة. وفي هذا السياق، يؤدي جنبلاط دوراً توازنياً، يسعى من خلاله إلى حماية موقع طائفته ضمن معادلات السلطة
المتغيرة. هذا البند هو الذي يَحارب من أجله وليد جنبلاط ونبيه بري اللذان يقول عنهما المنتقدون أنهما الدولة العميقة، والحق يقال أنهما حارسا الكيان المانعان تفتته.
ثالثًا: تفسير تبدّل المواقف السياسية
في ضوء ما سبق، يمكن فهم تبدّل مواقف جنبلاط باعتباره استراتيجيةً سياسية تهدف إلى:
-الحفاظ على استمرارية الزعامة.
-حماية الجماعة الدرزية.
-التكيّف مع التوازنات الداخلية والإقليمية.
وبالتالي، فإن هذا التبدّل لا يعكس غياب الثبات، بل يعكس نوعاً مختلفاً من الثبات، يتمثل في الحفاظ على المرتكزات البنيوية للزعامة.
رابعاً: إشكالية الشعبية والاستمرارية
رغم تبدّل مواقفه، لم يفقد جنبلاط شعبيته داخل طائفته، ويُعزى ذلك إلى عوامل عدة:
-الطابع التاريخي للزعامة وارتباطها بالهوية الجماعية.
-أولوية الحماية على الموقف السياسي لدى الجماعة.
-استمرار شبكات الزبائنية السياسية التي تعزّز الولاء.
وعليه، فإن معيار تقييم الزعيم لا يقوم على ثبات مواقفه، بل على قدرته على تأمين الحماية والاستقرار لجماعته.
في الختام، تُظهر هذه الدراسة أن فهم السلوك السياسي لوليد جنبلاط يتطلب مقاربةً بنيوية تأخذ في الاعتبار التداخل بين التاريخ والاجتماع والسياسة في لبنان. فالتبدّل في مواقفه لا يمكن اختزاله بكونه سلوكاً فردياً، بل هو تعبير عن منطق الزعامة في نظامٍ طائفي مركّب. وعليه، فإن الثابت الحقيقي في هذه الزعامة لا يكمن في المواقف السياسية فحسب، بل في الحفاظ على الجماعة وموقعها ضمن الكيان اللبناني.
و في لبنان، قد لا يكون الثبات في الموقف هو المعيار، بل القدرة على البقاء… وهذا ما يجيده جنبلاط.
نبض