سراب الـ 10452: قرن من التصدع في الهوية اللبنانية

منبر 01-04-2026 | 14:04

سراب الـ 10452: قرن من التصدع في الهوية اللبنانية

لطالما كان مشروع "لبنان الكبير" مقامرة جغرافية كبرى؛ تجربةً بدأت فصولها قبل وقت طويل من أزمات عام 2026 الراهنة. ولفهم السبب الذي يجعل شعار "الـ 10452" خاضعاً اليوم لمساءلة قاسية، لا بد من العودة إلى لحظة التأسيس عام 1920.
سراب الـ 10452: قرن من التصدع في الهوية اللبنانية
أيّ لبنان غداً؟
Smaller Bigger

انهل قزحيا 

 

 

 

لطالما كان مشروع "لبنان الكبير" مقامرة جغرافية كبرى؛ تجربةً بدأت فصولها قبل وقت طويل من أزمات عام 2026 الراهنة. ولفهم السبب الذي يجعل شعار "الـ 10452" خاضعاً اليوم لمساءلة قاسية، لا بد من العودة إلى لحظة التأسيس عام 1920. فعندما أُعلنت الدولة من ركام الإمبراطورية العثمانية، كانت محاولة طموحة لدمج المراكز التجارية الساحلية في طرابلس وبيروت مع الأرياف في البقاع والجنوب. كان مشروعاً يهدف إلى منح المكون الماروني دولة سيادية، لكنه استوعب في طريقه فئات واسعة كانت تطلعاتها تتجاوز هذه الحدود نحو "سوريا الكبرى" أو الوحدة العربية. هذا التباين هو "الخطيئة الأولى" في سياسات الهوية، حيث ظل التوتر قائماً بين الانتماء لسيادة "لبنان أولاً" وبين الولاءات الأيديولوجية العابرة للحدود.
تحول الرقم 10452 إلى رمز سياسي مقدس خلال الحرب الأهلية، حين رفعه الرئيس الشهيد بشير الجميل شعاراً لرفض التقسيم أو القبول بـ "وطن بديل". كان إعلاناً صريحاً بأن لبنان كيان نهائي ومستقل. ومع ذلك، أثبتت الاضطرابات الجيوسياسية الأخيرة أن عجز الدولة عن بسط سلطتها الفعلية حول هذا الرقم إلى مجرد رمز نظري. واليوم، لم تعد الهوية اللبنانية كتلة واحدة، بل أصبحت مرآة محطمة تعكس انقسامات مناطقية حادة. وفي الشمال، تقف مدينة طرابلس شاهداً على فشل مشروع الدولة؛ فعلى مدى عقود، عُوملت "عاصمة الشمال" كطرف مهمش، ما دفع الكثيرين هناك إلى التساؤل عن جدوى الانتماء لدولة لا تقدم لهم سوى الحرمان. إن الدعوات المتصاعدة في بعض أوساط طرابلس لـ "الخروج" من العباءة اللبنانية أو البحث عن امتداد إقليمي آخر ليست مجرد تطرف عابر، بل هي رد فعل على دولة انسحبت من حياة مواطنيها قبل أن يقرروا هم الانسحاب منها.
يزداد هذا التفتت حدة بفعل الأيديولوجيات التوسعية التي لا ترى في الحدود اللبنانية واقعاً سيادياً نهائياً. فالعقيدة التي يتبناها حزب الله، والمرتبطة بـ "ولاية الفقيه"، تطرح جغرافيا استراتيجية تتخطى حدود الـ 10452 لتتصل بمحور إقليمي واسع تقوده طهران. وفي هذه الرؤية، يصبح لبنان منصة تكتيكية ضمن صراع إقليمي أكبر وليس غاية في حد ذاته. وبالتوازي، يبرز تيار القومية السورية الذي يمثله الحزب السوري القومي الاجتماعي، مؤكداً أن لبنان هو "اقتطاع قسري" من جسد سوريا الطبيعية والذي كرسه انطون سعادة في كتاباته. هذه الأطروحات تستعيد زخمها كلما تعمق عجز السلطة المركزية في بيروت وغرقت في المحاصصة الطائفية.
كما زاد الغموض المحيط بالحدود البرية والبحرية من تآكل هذا الحلم. ففي عام 2026، ومع استمرار النزاعات الحدودية وعدم استقرار "الخط الأزرق"، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام واقع تُحدد فيه مصائر أراضيهم ومواردهم عبر مفاوضات خارجية وتوازنات عسكرية لا دور للدولة فيها. هذا الفراغ السيادي يعزز من حجج المشاريع العابرة للحدود التي تقدم نفسها كبديل وحيد لحماية الأرض، ما يجعل المواطن في الأطراف يشعر أن الدولة لا تملك حتى تعريفاً واضحاً لحدودها، فيصبح خيار "الخروج" أو الالتحاق بقوى إقليمية أقوى بمثابة "طوق نجاة".
لقد كانت الحرب الحالية بمثابة المحرك النهائي لهذا "الهروب من الهوية". ومع إعادة رسم الخريطة الديموغرافية بفعل النزوح، لم تعد الدعوات لـ "الفيدرالية" أو الانفصال الصريح مجرد هواجس فئوية، بل أصبحت مادة أساسية في النقاش الوطني. حلم الـ 10452 يُعصر اليوم بين مشاريع تريد صهره في إمبراطوريات أيديولوجية، وأخرى تريد تقليصه إلى كانتونات مغلقة بحثاً عن الأمان. إننا نشهد التحلل البطيء لسردية عام 1920؛ فإذا لم تنجح الدولة في تقديم مشروع وطني يجمع الطرابلسي والجنوبي والجبلي تحت سقف واحد، ستظل الـ 10452 مجرد رقم على خريطة قديمة، بينما الواقع على الأرض يكتب تاريخاً جديداً من التجزئة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 3/31/2026 5:00:00 AM
محاولات متواصلة للتقدّم إلى مجرى الليطاني، إضافة إلى قطع طريق الساحل ومحاصرة بنت جبيل 
لبنان 3/31/2026 10:21:00 AM
مواجهات جنوب لبنان: مقتل 4 جنود إسرائيليين بينهم ضابط  وإصابة 6
موضة وجمال 3/27/2026 6:53:00 PM
أكسسوارات الحقيبة باتت بيان هوية… ودمية "براتز" تعود باسم "براتزيز"