السياسة في لبنان: إدارة للنفوذ أم إلغاء للعدالة؟
د. عصام عطالله - استاذ جامعي، كاتب وباحث
(في لبنان، حين تصبح العدالة خيارًا… يصبح الظلم نظامًا)
في لبنان، لم تعد المشكلة في غياب القوانين… بل في غياب الإرادة لتطبيقها.
فالعدالة قائمة في النصوص، لكنها غائبة في الممارسة، والسياسة لا تكتفي بتعطيلها، بل تتقدّم عليها وتعيد تشكيلها وفق ميزان المصالح.
هنا، لم يعد القانون مرجعية ثابتة، بل تحوّل إلى أداة مرنة.
يُطبّق حين يخدم، ويُهمل حين يُحرج.
فتصبح العدالة "وجهة نظر"، لا معيارًا.
وهذه هي بداية الانهيار الحقيقي: حين يفقد الناس ثقتهم بأن الحق يمكن أن يُستعاد.
العدالة، في جوهرها، ليست نصوصًا جامدة، بل قاعدة اجتماعية تحمي توازن المجتمع.
لا عدالة من دون أخلاق، ولا من دون مساواة، ولا من دون حقوق واضحة تُصان للجميع. وهي لا تختصر بالقضاء، بل تمتد إلى الاقتصاد، إلى الإدارة، وإلى السياسة نفسها.
لكن، ماذا يحدث عندما تصبح السياسة أقوى من العدالة؟
السياسة، كما عرّفها "هارولد لازول"، هي تحديد من يحصل على ماذا، متى، وكيف.
في لبنان، يبدو أن الإجابة باتت واضحة: يحصل على كل شيء من يملك النفوذ، لا من يملك الحق.
وهنا، تنقلب المعادلة.
تصبح السياسة أداة للالتفاف على العدالة، لا لحمايتها.
وتتحوّل المحاسبة إلى انتقائية، والحقيقة إلى مادة قابلة للإخفاء أو التعديل.
وفي هذا المشهد، لا يعيش المواطن أزمة واحدة، بل مجموعة أزمات متراكمة:
انهيار اقتصادي، تراجع خدمات، نزوح داخلي، وتآكل شبه كامل للثقة بالمؤسسات.
في ظل هذه البيئة، لا يعود الظلم حالة استثنائية… بل يتحوّل إلى واقع يومي.
ومع الوقت، يتحوّل هذا الواقع إلى غضب، والغضب إلى صدام، وفي الحالتين… لا دولة، ولا استقرار.
لكن الأزمة ليست فقط في السلطة.
بل أيضًا في غياب الوعي.
فلا قانون من دون ثقافة، ولا عدالة من دون إدراك، ولا محاسبة من دون معرفة.
وفي زمن لم تعد فيه المعلومات تُخفى بسهولة، يصبح إخفاء الحقيقة فعلًا مقصودًا، لا عجزًا.
ومن يخفي، لا يقلّ خطرًا عمّن يخرق.
العدالة والسياسة وُجدتا لخدمة الإنسان، لا للسيطرة عليه.
لا لون لهما، ولا دين، إلا حين يُقرّر الأقوى أن يستبدل العقل بالقوة.
عندها، تبدأ القطيعة… بين الدولة ومواطنيها، بين القانون وتطبيقه، وبين الحق وواقعه.
في النهاية، يبقى الفرد هو الميزان الأخير.
ليس بالشعارات، بل بالاختيار.
اختيار من يمنحه الشرعية… أو يسحبها منه.
اختيار أن يكون شاهدًا… أو شريكًا.
فالعدالة لا تُمنح… بل تُنتزع.
والقانون لا يُحترم… بل يُحمى بثقافة الناس قبل نصوصه.
السؤال لم يعد نظريًا:
هل نريد عدالة حقيقية… أم عدالة تُفصَّل على قياس المصالح؟
نبض