عقلية الصفقة: من سوق العقار إلى مضيق هرمز

منبر 01-04-2026 | 10:05

عقلية الصفقة: من سوق العقار إلى مضيق هرمز

قبل أيام تفرغت لقراءة كتاب "فن الصفقة" للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حينها لم أكن أبحث عن سيرته الذاتية، وانما كنت أحاول أن أجد إجابةً على السؤال التالي: كيف يمكن إدارةً سياسيةً أن تحمل كل هذا القدر من التناقضات؟ بين الوعود الكبرى والنتائج الفوضوية، بين خطاب "السلام العالمي" ومغامراتٍ هزّت أعرق التقاليد السياسية؟ 
عقلية الصفقة: من سوق العقار إلى مضيق هرمز
خريطة.
Smaller Bigger

أحمد شهاب - الكويت 

 

 

 

قبل أيام تفرغت لقراءة كتاب "فن الصفقة" للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حينها لم أكن أبحث عن سيرته الذاتية، وانما كنت أحاول أن أجد إجابةً على السؤال التالي: كيف يمكن إدارةً سياسيةً أن تحمل كل هذا القدر من التناقضات؟ بين الوعود الكبرى والنتائج الفوضوية، بين خطاب "السلام العالمي" ومغامراتٍ هزّت أعرق التقاليد السياسية؟ 

لكنني سرعان ما أدركت أن الكتاب، الذي شارك في كتابته الصحافي توني شوارتز، هو المفتاح الحقيقي لفهم عقلية رئيسٍ قلب الطاولة الدولية رأساً على عقب، وعرض ويعرّض حياة مئات الآلاف لخطر الابادة. وما نراه اليوم من تصعيدٍ في المنطقة هو نتيجة عقليةٍ ترى العالم صفقةً وليس حياةً وحقوقاً بشرية. ومن هنا، فإن نقد هذا المسار السياسي ليس رفاهيةً فكريةً بل ضرورة وجودية.

من يقرأ كتاب "فن الصفقة" يكتشف أن الرئيس الاميركي يؤمن بأن النجاح في أي مفاوضاتٍ يبدأ بامتلاك خياراتٍ متعددة، بحيث يكون الطرف الآخر مربكاً لا يعرف قرارك القادم، وهو ما يحقق أرباحاً مجزيةً في عالم الأعمال. لكن المشكلة تبدأ حين تُنقل هذه الفلسفة بكل أدواتها إلى عالم السياسة الدولية، وتصبح كل الاتفاقات هشّةً وقابلةً للانهيار، حينها تتحول السياسة إلى مصدر توترٍ دائم. 

خذ مثلاً تهديداته المتكررة بالانسحاب من الناتو وخروجه الفعلي من اتفاقاتٍ دوليةٍ جوهرية، وفرض ضرائبٍ من دون غطاءٍ قانوني، وإدخال المنطقة في حروبٍ من دون غطاءً دولي، وغيرها من قراراتٍ فرديةٍ هي بمثابة الاعلان الصريح أن الاستقرار  العالمي هو تحصيل حاصل. 

اللافت أن هذا المنطق هو امتداد طبيعي لأسلوب تفاوضٍ يشرحه ترامب بنفسه في كتابه، فهو يرى أن المطالب تبدأ صعبة المنال ثم تتراجع تدريجاً نحو الهدف الحقيقي، وهذه الخدعة قد تصلح في سوق العقار، لكنها تتحول إلى كارثةٍ حين تطبق على دولٍ تمتلك جيوشاً وعقائد قتاليةً وذاكرةً تاريخيةً وسيادة، حينها يرتفع منسوب التوتر إلى درجة الغليان، وتتحول كل أزمةٍ سياسيةٍ إلى مواجهةٍ مدمرة .

ترتكز عقلية ترامب على منطقين متداخلين يفسران هذه الكوارث، الأول هو "الاستعداد الدائم للانسحاب" الذي يشرحه في كتابه كأقوى أوراق التفاوض، لكن الانسحاب في السياسة الدولية يخلق فراغاً هائلاً، ويورّط الحلفاء، إذ سرعان ما تندفع القوى الأخرى لملئه، وتنفجر معه صراعاتٍ كان يمكن احتواؤها بأساليبٍ أقلّ تكلفة. 

اما المنطق الثاني فهو "المحصلة الصفرية"، فالعالم هو مجرد صفقةٍ فيها رابح وحيد وخاسر وحيد، وهو مفهوم كارثيّ في علاقاتٍ معقدةٍ تحتاج إلى بيئة تفاهمٍ وتعاونٍ عبر الحدود. وعندما يضاف إلى هذين المنطقين اعتماده على حدسه الشخصي بدل التحليلات المهنية الرصينة، تتحول السياسة الأميركية إلى كرة نارٍ تندفع لتخلق فوضىً مفتوحة.

أهمية دراسة نظرية ترامب في كتابه "فن الصفقة" أنها لم تعد نظريةً في كتابٍ وإنما أصبحت واقعاً يمسّ أمن دول الخليج واستقرارها، والتي تتبنى موقفاً يقوم على "الحذر الاستراتيجيّ" حيال النزاعات والحروب، وتعتمد في نموها على سمعتها كبيئةٍ مستقرةٍ للعمل الاقتصادي. ولذا، فان الأخطر من العدوان العسكري هو التأثير على الملاحة في مضيق هرمز، وسلامة خطوط نقل النفط، والموانئ الحيوية.

دول الخليج تدرك تماماً مخاطر ما يجري على سواحلها، وهي تتجنب الانخراط في مواجهةٍ عسكريةٍ مباشرةٍ والردّ على الاعتداءات الايرانية، وتميل إلى سياسة الاحتواء التي تعد أقل خطراً وتكلفة، وتتفهم أن أي تقديرٍ خاطئٍ قد يشعل أزمةً طاقوية تحوّل الحرب المحلية إلى كارثةٍ إقليمية. فهذه الدول تتعامل مع الحرب كتهديدٍ وجودي، وهي على حق، بينما تتعامل معها السياسات الأميركية الراهنة على أنها صفقة رابحة ومقامرة مكشوفة.

في النهاية، تثبت التوترات الدولية الراهنة أن عقلية رجل الصفقات الذي يرهن الأمن بالأرباح لا يصلح بتاتاً لإدارة الأزمات العالمية، وأن سياسات "المقامرة" يمكن أن تتحول إلى كارثةٍ تطاول ملايين الأبرياء من دون ذنب، وان السياسات يجب أن تُقاس دائماً بما تحمي من أرواح، لا بما تكسب من أموال.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 3/31/2026 5:00:00 AM
محاولات متواصلة للتقدّم إلى مجرى الليطاني، إضافة إلى قطع طريق الساحل ومحاصرة بنت جبيل 
لبنان 3/31/2026 10:21:00 AM
مواجهات جنوب لبنان: مقتل 4 جنود إسرائيليين بينهم ضابط  وإصابة 6
موضة وجمال 3/27/2026 6:53:00 PM
أكسسوارات الحقيبة باتت بيان هوية… ودمية "براتز" تعود باسم "براتزيز"