القرار في لبنان بين منطق الدولة وتوازنات السياسة
فرانسيسكا موسى
في لبنان، لا تُختصر الأزمة بمضمون القرارات التي تصدر عن المؤسسات الرسمية، بل في المسار الذي تسلكه هذه القرارات بعد إعلانها؛ فكثيراً ما يتحوّل القرار العام من خطوة يفترض أن تعكس سلطة الدولة وقدرتها على إدارة الشأن العام إلى نقطة انطلاق لجولة جديدة من التجاذبات السياسية. وبدلاً من أن يشكّل صدور القرار خاتمة لنقاش مؤسساتي منظم، يصبح بداية لسجال واسع تتداخل فيه حسابات القوى الداخلية مع اعتبارات إقليمية ودولية. هذا الواقع يكشف خللاً أعمق في بنية عملية اتخاذ القرار، حيث لا تتحرك المؤسسات دائماً ضمن منطق إداري وقانوني خالص، بل ضمن شبكة معقّدة من التوازنات السياسية. ومع كلّ قرار جديد، يظهر أن المسألة لا تتعلّق فقط بجدوى الإجراء أو ضرورته، بل أيضاً بمدى انسجامه مع موازين القوى القائمة، وبالقدرة السياسية على حمايته من التعطيل أو إعادة التفاوض.
تقوم الدولة الحديثة على قاعدة أساسية تتمثّل بوضوح المرجعيات: المؤسّسات تضع السياسات، والقانون يحدّد الإطار، والقرار العام يُنفَّذ وفق آليات مؤسساتية ثابتة. لكنّ التجربة اللبنانية تكشف واقعاً أكثر تعقيداً، حيث لا يتحرّك القرار دائماً ضمن حدود المؤسسة، بل ضمن شبكة واسعة من التوازنات السياسية والطائفية والحزبية. في هذا السياق، لا يصبح مضمون القرار هو العامل الحاسم بقدر ما تصبح مسألة القدرة على تمريره أو تعطيله مرتبطة بموازين القوى القائمة داخل النظام السياسي. النظام السياسي في لبنان بُني تاريخياً على مبدأ التوافق بين المكوّنات الطائفية والسياسية، كصيغة تهدف إلى منع احتكار السلطة من قبل أي طرف. لكنّ هذه الصيغة، التي كان يُفترض أن تشكّل ضمانة للاستقرار، تحوّلت مع مرور الزمن إلى آلية معقّدة تُبطئ عملية اتخاذ القرار. فالتوافق الذي كان يُراد له أن يكون أداة لإدارة الاختلاف، أصبح في كثير من الأحيان شرطاً مسبقاً لأيّ خطوة إصلاحية أو إدارية، ما يضع القرارات العامة في دائرة انتظار طويلة إلى حين نضوج التوازنات السياسية المناسبة. ضمن هذا الإطار، يخرج القرار من كونه إجراءً إدارياً أو سياسياً عادياً ليصبح جزءاً من معادلة أوسع تتعلّق بتوزيع النفوذ داخل الدولة. فعندما يُفهم القرار على أنّه يمسّ بموقع طرف سياسي، أو يؤثر في نفوذ جهة معينة، يتجاوز النقاش حدوده التقنية أو القانونية، ويتحوّل إلى مواجهة سياسية مفتوحة. عندها تتقدّم اعتبارات التمثيل السياسي وحسابات القوة على حساب منطق الإدارة العامة، وقد ينتهي المسار إمّا بتجميد القرار أو بإعادة صياغته بما يتلاءم مع التوازنات القائمة. ولا يمكن قراءة هذا الواقع بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية التي يتحرك ضمنها لبنان. فتركيبة البلد السياسية وموقعه الجغرافي جعلاه تاريخياً نقطة تفاعل بين مصالح إقليمية ودولية متعددة. لذلك، غالباً ما تتقاطع التطورات الداخلية مع حسابات خارجية، ما يجعل بعض القرارات المحلية عرضة لضغوط أو مواقف دولية تسعى إلى التأثير في مسارها أو في توقيتها. هكذا تتشكّل معادلة معقّدة يتداخل فيها الداخل بالخارج، والمؤسسة بالسياسة، والقرار الرسمي بموازين القوى غير الرسمية. وفي ظل هذه المعادلة، تجد مؤسسات الدولة نفسها أمام اختبار دائم لقدرتها على الحفاظ على استقلال القرار. فكلّما تعثّر تنفيذ قرار نتيجة التجاذبات السياسية أو الضغوط المتقاطعة، تزداد الفجوة بين صورة الدولة كما يفترض أن تكون، وبين دورها الفعلي كما يُمارَس على أرض الواقع. ومع تكرار هذا المشهد، يتنامى لدى المواطنين شعور بأن القرار العام لا يُدار فقط ضمن إطار القانون والمؤسسات، بل ضمن حدود تفرضها التوازنات السياسية. هذا الشعور لا ينعكس فقط على الثقة بالمؤسسات، بل يطرح أيضاً تساؤلات أعمق حول قدرة الدولة على استعادة دورها كمرجعية نهائية في إدارة الشأن العام. مع ذلك، فإن إدراك هذه الإشكالية يشكّل خطوة أساسية نحو معالجتها. فتعزيز استقلالية المؤسسات، وتكريس الفصل بين العمل الحزبي وإدارة الدولة، وتطوير آليات دستورية وإدارية أكثر وضوحاً وشفافية، تبقى من بين المسارات التي يطرحها العديد من الخبراء لاستعادة فاعلية القرار العام. فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على إنتاج القرارات، بل بقدرتها على حمايتها وتنفيذها ضمن إطار مؤسساتي ثابت يضع المصلحة العامة فوق أي اعتبارات أخرى.
في المحصلة، لا تُقاس قوة الدولة بقدرتها على إصدار القرارات فحسب، بل بقدرتها على حمايتها وتنفيذها بعيداً عن ضغوط التوازنات السياسية. وفي لبنان، تكشف الأزمات المتكرّرة حول القرارات العامة عن إشكالية أعمق تتعلّق بحدود سلطة المؤسسات أمام موازين القوى القائمة. يبقى التحدّي الأساسي في إعادة الاعتبار للدولة كمرجعية نهائية للقرار، حيث تُدار الشؤون العامة وفق القانون والمصلحة العامة، لا وفق حسابات النفوذ والتجاذبات السياسية. وعندها فقط يمكن للقرار الرسمي أن يستعيد دوره الحقيقي كأداة حكم فعلي، لا مجرّد عنوان في سجال سياسي دائم.
نبض