وداعاً أحمد قعبور… الصوت الحالم الذي حفظ ذاكرة بيروت بألحانه وأغانيه
حسن درغام (*)
رحل أحمد قعبور، وأتى النبأ ثقيلاً على البلاد التي أنشد لها:
"يا رايح صوب بلادي... دخلك وصلّي السلام
بلغ أهلي وأولادي.. مشتاقلن رف الحمام"
وأتى ثقيلاً على بيروت، التي أحبها حتى الممات:
"بيروت يا بيروت… يا قصة بصندوق فرجة كبير"
وحزيناً على الجنوب، حيث بدأ التزامه السياسي:
"يا رايح صوب الليطاني… صبح أهالي النبطية
وطل شوي عالخيام…"
وأتى حزيناً على فلسطين، التي أهداها أغنيته الخالدة:
"أناديكم… أشدُّ على أياديكم
وأبوس الأرض تحت نعالكم…"
وأتى حزيناً على غزة، التي زادت من أوجاعه.
هناك، حيث صديق له، اسمه منيب أبو سعادة، يعيش تحت القصف وسقفه خيمة، ساعده في نشر كتابه "أرض لا تموت"، في محاولة بسيطة لدعم صمودهم، ولإبقائهم أحياء ولو بالكلمات.
وأتى حزيناً علينا نحن:
"نحنا الناس اللي ما إلهم حدا…
إلا هالليل وهالمدى
والريح اللي بتصفر بالبيوت
والصمت اللي بيحكي بالسكوت"
كيف تتركنا الآن؟ وسط كل هذا الركام؟ وسط هذا الموت؟ وسط هذه النار التي تأتينا كل مرة مع طائرات الاحتلال؟
كيف يتركنا حارس الذاكرة…
نحن جيل تشكّل وعيه في الثمانينات على الرفض. خرجنا من القرى والضواحي حالمين بالثورة، علّنا نكسر نظاماً طائفياً لم ينتج إلا الحروب والهجرة.
نحن جيل شوارع الحمراء، تلك الشوارع التي لم تكن مجرد مكان، بل كانت نافذتنا إلى العالم. كانت مزدحمة دائماً، عجقة لا تهدأ وحياة لا تنطفئ، وجوه تأتي من كل الجهات: طلاب، مثقفون، عمّال ولاجئون، يجلسون إلى الطاولات نفسها ويتجادلون حول السياسة والحب والثورة، وهناك كانوا يكتبون مستقبلهم بأصواتهم.
في مقاهيها، من Wimpy إلى Horseshoe، لم تكن القهوة وحدها تُشرب، بل كانت تُصاغ الأحلام والتجارب والأفكار.
الحمراء كانت مدينة داخل المدينة.
هناك، في مسرح البيكاديلي، دخلناه للمرة الأولى متحمسين، ذاهبين لرؤية زياد الرحباني، ذلك الصوت الذي رأيناه مصدر إلهامنا، وحفظنا الكثير من كلماته وأغانيه.
كانت مسرحية "فيلم أميركي طويل" أكثر من عرض مسرحي. كانت صدمة وعي حقيقية، وضعتنا فجأة أمام أنفسنا، وأمام الأسئلة الكبرى التي كنّا نحاول الهروب منها: عن هذا البلد، وعن العيش بين مكوناته الطائفية، وعن أمراض نظامه السياسي. هناك بدأنا نفهم السياسة لا كشعار، بل كحياة نعيشها يومياً.
ومن هناك إلى قصر الأونيسكو، حيث كانت المهرجانات السياسية الكبرى، وحيث تحوّلت الأغنية إلى بيان.
هناك سمعنا خالد الهبر يغني لصديقه: "لا تسألني عن صبحي الجيز… صبحي مات"، فكانت الأغنية وجعاً شخصياً ومرآة لوطن كامل.
وكبرنا على ألحان مرسيل خليفة، التي حملت كلمات محمود درويش إلى قلوبنا كأنها نشيدنا اليومي.
ولا يمكن أن ننسى صوت أميمة الخليل، حين كانت تغني كلمات موسى شعيب: "مررتُ أمسِ على الديار…".
هناك تعلّمنا أن الأغنية ليست ترفاً، بل موقف، وأن الفن يمكن أن يكون وطناً.
ثم جاءت سنوات إعادة الإعمار، وحملت معها شيئاً من المراجعة الصامتة.
غنّيت لنا: "مرحى مرحى"، و"علّوا البيارق"، و"وحياتك بتمون"، و"بيروت يا بيروت" بكلمات عبيدو باشا.
لم تكن مجرد أغانٍ، بل كانت مراجعة جيل كامل، كان يخلط بين حلمه بالخلاص من نظام طائفي وبين مشاريع إقليمية حوّلت البلاد، وخصوصاً جنوبه، إلى منصة لتبادل الرسائل، وفتحت أبوابه أمام الوصايات والاجتياحات والاحتلالات.
أتى آذار هذا العام ثقيلاً، وكان خبر رحيلك أثقل.
لا تجد أزقة بيروت كلمات لرثائك، ولا تصدّق أنك تركتها وحيدة:
"مطرح ما بدك روح… بيروت هي الروح"
صديقي… ماذا عساي أن أقول؟
لم نعد نقوى على مزيد من الحزن، ولا على مزيد من الجراح، ولا على خسارات جديدة في ذاكرة أتعبتها الحروب.
قد يغيب جسدك، وقد يغيب ظلك عن شوارع بيروت وبحرها… لكن الناس ستبقى تغنّي. ستبقى تغنّي لذلك الحلم الذي غادرنا… مثلك.
"وحياتك بتمون… عيوني هالعيون
أنا حبيتك من أول نظرة
وكله لعيونك بيهون…
بتمون… بتمون… بتمون…
لعيونك"
وداعاً أحمد قعبور.
(*) مهندس معماري وكاتب سياسي
نبض