العراق: سيادة مؤجلة واقتصاد مصادر

منبر 21-03-2026 | 08:15

العراق: سيادة مؤجلة واقتصاد مصادر

ما يحدث اليوم في العراق ليس مجرد أزمة طاقة عابرة، بل كارثة اقتصادية ولدت نتيجة تراكم طويل من القرارات المؤجلة والرؤى الاستراتيجية التي لم تكتمل بفعل التدخل الخارجي الصارخ في القرار الداخلي.
العراق: سيادة مؤجلة واقتصاد مصادر
صورة أرشيفية لعمال عراقيين يعتنون بخط الأنابيب العراقي - التركي في كركوك بشمال العراق. (فرانس برس)
Smaller Bigger

إسلام مري* 

الدولة في العراق بعد 2003 لا تشبه الدولة في شيء. كانتونات طائفية وقومية تسيّدت المشهد السياسي في العراق بدعم أميركي – إيراني نادر واستثنائي في مفارقة غريبة. تلاقت على أثرها الاستراتيجيتان المتعارضتان لإنشاء نظام سياسي أعمى الهوية غير مكتمل الملامح، أوصل العراق سياسياً واقتصادياً إلى حالة من الشلل لا يستطيع على إثرها التحرك وتجاوز ما يمر فيه. وربما هو بحاجة إلى صدمة هائلة أخرى كالتي حدثت في 2014 لدفع الشعب للتلاحم والعبور إلى المستوى الوطني.

ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة في سوق الطاقة بل نتيجة سنوات طويلة من تجاهل سؤال استراتيجي بسيط: ماذا لو أُغلق الطريق الوحيد الذي يمر عبره النفط العراقي إلى العالم؟ اليوم فقط يبدو أن هذا السؤال أصبح واقعاً.

دولة كالعراق نظامها الاقتصادي ريعيّ ومعتمد بالكامل على النفط، تبدو فيه الطبقة السياسية التي شخصنت النظام كأنها تصرف مالاً من جيبها على المجتمع، دولة توزع امتيازات ومشاريع إعمار ومناقصات ووكالات تجارية على النخبة المرتبطة والموالية لها لشراء الولاء السياسي أو العشائري وغيره، لا يمكن لها أن تقود الأمة إلا إلى الإفلاس الاقتصادي والسياسي وقبله الوطني. 

الجميع مشارك في هذا الانهيار، ولعل أبرزهم الطبقة الثقافية والوسطى التي تقتات على فتات النفط السياسي، ولم تشارك بشكل واضح في إنشاء وبلورة مجتمع مدني حر أو نقد ثقافي مستقل للسلطة لتقويم النظام أو إصلاحه داخلياً. 

من سوء حظ العراق أن حيّد الاقتصاد الريعيّ مفهوم الوطنية سياسياً كما حيّد قطاعات اقتصادية وسياسية أخرى مهمة؛ إذ ربطت الدولة مشاريعها بسياسات خارجية أفرزت على إثرها طبقة برجوازية طفيلية غير مبدعة وباحثة باستمرار عن علاقة مع قوى غير رسمية خارج الدولة تحميها وتمنحها امتيازات. 

وبدلاً من أن تؤسس هذه البرجوازية التي ظهرت بعد 2003 لمفهوم الدولة الوطنية، تحولت إلى طبقة عميلة للخارج، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، نعيش سلبيات قراراتها في هذه الأيام بعد توقف تصدير النفط عبر هرمز.

إن شبح الإفلاس الذي يواجهه العراق اليوم لا يقتصر على إغلاق البحر أمام النفط العراقي، بل في تدمير 3 مشاريع اقتصادية نفطية عملاقة بعد 2003 بقرارات "سيادية" لكن بضغط من روسيا وإيران والولايات المتحدة. أهم هذه المشاريع خط أنابيب "نابوكو" الذي كان يهدف إلى نقل النفط والغاز من العراق ودول أخرى في الشرق الأوسط وبحر قزوين إلى أوروبا عبر تركيا؛ ثانياً، خط نفط وغاز يمتد من إيران وقطر مروراً بالعراق باتجاه سوريا وصولاً إلى البحر المتوسط؛ وثالثاً خط أنابيب البصرة – العقبة عبر الأردن.

ما يحدث اليوم في العراق ليس مجرد أزمة طاقة عابرة، بل كارثة اقتصادية ولدت نتيجة تراكم طويل من القرارات المؤجلة والرؤى الاستراتيجية التي لم تكتمل بفعل التدخل الخارجي الصارخ في القرار الداخلي. 

إن الانهيار الذي تعانيه الطبقة السياسية في منظومة قراراتها السيادية وصل ذروته، ولن يتم اتخاذ قرار وطني آخر إلا بعد تحييد السلطة البرجوازية الحاكمة اليوم بأخرى غير مرتبطة أيديولوجياً بالخارج، إذ لا تُقاس الدول بحجم ثرواتها الطبيعية بل بقدرتها على إدارة تلك الثروات في عالم مليء بالمخاطر. 

المشكلة في العراق لا تكمن في النفط نفسه، ولا في الطرق التي لم تُبنَ لنقله إلى العالم، بل في عقلية النظام الحاكم وهويته ورؤيته وفهمه حول يجري وسيجري في المستقبل.

*كاتب وإعلامي عراقي

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 3/26/2026 6:39:00 PM
رسامني بحث في تداعيات ارتفاع اسعارالنفط: نحو تعديل متوازن وموقت لتعرفة النقل
لبنان 3/28/2026 2:00:00 AM
المروحيّات تقوم بإخلاء الإصابات في منطقة بيدر الفقعاني...
لبنان 3/28/2026 12:44:00 PM
تستمر الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان وبقاعه والضاحية الجنوبية لبيروت.