حين تأتي النرجسية من البيت: المعركة الصامتة داخل العائلة وكيف نكسرها
ملاك وجيه شميطلي
في العادة، حين نسمع كلمة نرجسية، يتبادر إلى ذهننا الشريك المتسلط أو العلاقة العاطفية المرهِقة. لكن ما لا يُسلَّط عليه الضوء كثيراً، هو أن النرجسية قد تبدأ من المكان الذي يُفترض فيه أن يكون الأكثر أماناً: العائلة، من الأب أو الأم، من أسلوب تربية، من غياب احتواء، أو حتى من برود عاطفي غير مُعلن. ليست النرجسية دائماً صراخاً أو استعراضاً واضحاً للذات، أحياناً تكون أكثر هدوءاً وخفاءً: أب لا يستمع، أم تتجاهل مشاعر أولادها، أو أهل يعتقدون أن دورهم يقتصر على التأمين المادي فقط. هذا النوع من السلوك، الذي قد يبدو عادياً، يترك أثراً عميقاً، فيشعر الطفل أنه غير مرئي، غير مسموع، وكأن مشاعره عبء.
هنا تبدأ المعركة الصامتة، حين يكبر الولد أو البنت وهما يحملان صراعاً داخلياً بين حاجتهما للحب والقبول، وبين شعورهما بأنهما لن يحصلا عليه. مثال على ذلك، عندما ترى الفتاة أن أمها النرجسية تبدأ بالتفكير في أنها لا تريد أن تكون ابنتها أفضل منها أو أجمل منها، فينشأ في ذلك نوع من الغيرة الخفية بين الأم وإبنتها. والشيء نفسه قد يحدث بين الأب وابنه، وهنا قد تكون المسألة أكثر تعقيداً، إذ يمكن أن تؤثر هذه النرجسية على ثقة الولد بنفسه وعلى صورته عن ذاته. وغالباً ما يكون هذا السلوك غير مقصود، بل هو انعكاس لمشاكلٍ نفسية سابقة لم يتمكن الأهل من معالجتها أو تخطيها، فتظهر بشكلٍ تلقائي في طريقة تعاملهم مع أولادهم.
في بعض العائلات، لا تكون المشكلة نرجسية صريحة فحسب، بل يظهر أيضاً نمط التجنّب، كأبٍ يتفادى النقاش، أو أم تهرب من المواجهة، أو بيئة لا تتحمل التعبير عن المشاعر. هذا التجنّب قد يكون مؤلماً بقدر النرجسية نفسها، لأنه يخلق فراغاً عاطفياً يدفع الأبناء إلى كبت مشاعرهم، والشعور بالذنب عند التعبير عنها، والبحث عن التقدير خارج البيت بأي طريقة. وفي المقابل، الأهل أنفسهم غالباً ليسوا مرتاحين، إذ يتلقّون انتقادات من أولادهم أو من محيطهم، لكنهم لا يعرفون كيف يغيّرون هذا النمط الذي اعتادوا عليه.
ومع ذلك، يمكن كسر هذه الدائرة، ولكن ليس بخطوة واحدة، بل يبدأ التغيير بالوعي. الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأصعب، ليس بهدف اللوم بل بهدف الفهم، ثم يأتي تعلّم الاستماع الحقيقي من دون مقاطعةٍ أو تقليلٍ من
المشاعر، إذ يحتاج الطفل أحياناً فقط الى أن يُسمَع. كما أن خلق مساحةٍ آمنة داخل البيت تسمح بالتعبير، حتى عن الأمور المزعجة، يُحدث فرقاً كبيراً، لأن القمع لا يُنهي المشكلة بل يؤجلها. ومع الوقت، يمكن للتغيير التدريجي، من خلال خطواتٍ بسيطة كقضاء وقتٍ فعلي مع الأبناء أو الاهتمام بتفاصيل يومهم، أن يغيّر ديناميكية العلاقة بشكلٍ واضح.
ومن المهم أيضاً أن يفهم الأبناء أن ما يمرّون به ليس ضعفاً منهم، بل نتيجة بيئةٍ معيّنة، وأن بإمكانهم مع الوقت وضع حدودٍ صحية، والتعبير عن أنفسهم بشكل أوضح، وطلب الدعم عند الحاجة. ومن باب الطرافة، يُقال كثيراً إن برج الأسد هو الأكثر نرجسيةً بسبب حضوره القوي وحبه للفت الانتباه، لكن هذا يبقى تعميماً مبسّطاً، إذ إن الصفات الفلكية قد تعكس ميولاً عامة، لكنها لا تفسّر السلوك العائلي العميق، فالنرجسية ليست برجاً بل نمط نفسي يتكوّن عبر التجارب والتربية.
في النهاية، عزيزي القارئ، هل فكرت في كيف يمكن أن تساهم خطوة صغيرة في بناء علاقةٍ عائلية أكثر أماناً وتفهماً؟ ربما يبدأ التغيير من أبسط اللحظات، حين نختار أن نسمع بعضنا بصدق، ونبني جسوراً من الثقة. النرجسية داخل العائلة ليست حكماً نهائياً، بل هي دائرة يمكن كسرها. إن اتخذنا خطوات صغيرة واعية، تتحول
المعركة الصامتة إلى مساحة حوارٍ حقيقي، بحيث يرى كل فرد الآخر بصدقٍ واهتمام، بعيداً من الكمال والمثالية، وبنيةٍ حسنة نحو التغيير.
نبض