الشرطة القضائية وكشف سر جريمة غامضة سنة 1961

منبر 26-03-2026 | 09:30

الشرطة القضائية وكشف سر جريمة غامضة سنة 1961

بعد إنتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية اللبنانية صيف 1958 إثر حوادث دامية في لبنان، زارته في قصر الرئاسة في بيت الدين، الوفود والشخصيات للتهنئة ومنهم النائب نعيم مغبغب (من بلدة عين زحلتا)، من كتلة الرئيس كميل شمعون المناوئة للزعيم كمال جنبلاط الذي خسر مقعده في انتخابات 1957 في الشوف. وتعرض هذا النائب للقتل على أيدي شبانٍ من انصار جنبلاط في الشوف قبل وصوله إلى قصر الرئاسة. تم توقيف الجناة ونالوا الأحكام العدلية المناسبة.
الشرطة القضائية وكشف سر جريمة غامضة سنة 1961
العبرة تبقى في تطبيق القانون
Smaller Bigger

العميد المتقاعد أنور يحيى - قائد سابق للشرطة القضائية 


 

 

بعد إنتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية اللبنانية صيف 1958 إثر حوادث دامية في لبنان، زارته في قصر الرئاسة في بيت الدين، الوفود والشخصيات للتهنئة ومنهم النائب نعيم مغبغب (من بلدة عين زحلتا)، من كتلة الرئيس كميل شمعون المناوئة للزعيم كمال جنبلاط الذي خسر مقعده في انتخابات 1957 في الشوف. وتعرض هذا النائب للقتل على أيدي شبانٍ من انصار جنبلاط في الشوف قبل وصوله إلى قصر الرئاسة. تم توقيف الجناة ونالوا الأحكام العدلية المناسبة.
سادت الأجواء الطائفية المشحونة البلاد وكثرت جرائم القتل والتعدي لأسبابٍ طائفية بنتجة ثورة 1958، وكانت جريمة قتل ثلاثة شبان مسيحيين من الأشرفية وهم بطريقهم إلى المطار حيث يعملون، وكشف جثثهم في محلة البسطة، على يد "التكميل" (إبراهيم النابلسي) الذي أوقفته الشرطة بحضور وزير الداخلية ريمون أده، الذي ترأس القوة مع المقدم عزيز الأحدب، مديرالبوليس، ونُفذ به حكم الإعدام بعد وقتٍ قليل من توقيفه.
يستثمر الشيخ سعيد، من الشوف، معملاً لصب الحديد في منطقة الحدت، يضم عمالاً من مختلف الطوائف ولا سيما منهم الدروز والمسيحيين، وهو على أحسن علاقة مع الجميع.
يوم 7 شباط 1961، إختفى صاحب المعمل ولم تنفع التحريات لكشف مصيره أو العثور عليه رغم تدخل النافذين والقادة الأمنين الكبار .
راجت إشاعات في المنطقة أن أنصار النائب المغدور نعيم مغبغب قد أخذوا بثأره عبر قتل الشيخ سعيد، الدرزي الشوفي..
إدعت زوجته والنيابة العامة على مجهول، مطالبةً بكشف مصيره وفقاً للأصول.
قاضي التحقيق في جبل لبنان إستناب الشرطة القضائية لكشف لغز اختفاء الشيخ سعيد بأسرع وقت.
كلف المفوض العام الممتاز نسيب أبو شقرا، قائد الشرطة القضائية، المفوض جمال العازار، آمر مفرزة بيروت الجنائية، تنفيذ الأستنابة بإشرافه والعمل بسرعةٍ لكشف مصير الشيخ سعيد.
ترأس المفوض جمال العازار، دوريةً مميزة من رجاله تضم: المفتش نسيب أبوجودة، والشرطيين نعيم باسيل وواصف قضاة، وبدأ بالبحث فوراً عن سعيد وظروف فقدانه.
تبين أن لا خصومات له مع أحدٍ وأن سمعته ممتازة، وأنه يعمل في معمله لصبّ الحديد وبيعه من الحدادين وفقاً للطلب. ولا أثر لخلافاتٍ مع أي ميليشيا أو نافذين بالمحلة.
أمضت دورية التحري ساعاتٍ طوال تستجوب العمال والشهود بحثاً عن خلافاتٍ بين سعيد وأحد عمال المصنع، حيث لفت نظرهم أحد العمال إلى سوء تفاهمٍ بسيط بين أحد العمال (عفيف) المطالب بزيادة الأجر الأسبوعي مع صاحب المعمل، قبل حوالى أسبوعين، لكن ذلك إنتهى وزال وأن العمال العشرة هم فريق عمل واحد مع إدارة المعمل ...!
جرى إستحضار عفيف الى المفرزة، حيث أُخضع لإستجوابٍ بعناية في حضور آمر المفرزة. وبعد جهدٍ طويل روى عفيف أسباب إقدامه على قتل سعيد بمسدسٍ حربي استعاره من أحد أقربائه، بذريعة الدفاع عن نفسه، بعد أن وجه اليه كلاماً قاسياً بسبب تأخره الدائم بالحضور الصباحي إلى المعمل... ورمى الجثة في مستوعب المعمل المعدّ لصب الحديد وفوق نار عالية الحرارة، وذابت الجثة مع مكونات الحديد المستخدم لإخفاء اّثار الجريمة. وقد كتم ذلك عن الجميع.
تمت مصادرة المسدس الحربي أداة تنفيذ الجريمة من منزل صاحبه، وأنه نادم على ما فعل ولم يخطط لقتله بل لأرهاب الشيخ سعيد وهي المرة الأولى التي يستخدم فيها السلاح!
جرى أطلاع قائد الشرطة القضائية على الوقائع المكونة، فحضر على الفور واستمع إفادة عفيف واتصل بقاضي التحقيق مُصدر الإستنابة ألى رجال التحري، فحضر وتحقق من رواية عفيف وندمه على قتل ربّ عمله ورمي جثته في مستوعب الحديد المغلي لأخفاء أثار الجريمة.
في حضور الصحافة وذوي المغدور، وفي مفرزة بيروت الجنائية، جرى شرح تفاصيل جريمة العصر في حينها، بحيث لم يسبق لأي قاتلٍ أن رمى بجثة مغدورٍ في خزانٍ يغلي بالمواد الكيميائية لتذويب الأثار، ولاخفاء معالم الجريمة. وطمأن القاضي وقائد الشرطة القضائية الى أن الجريمة لا طابع طائفياً لها إنما تسرّع ووحشية نفذها أحد العمال بحق صاحب المعمل لأسبابٍ بسيطة.
ترك كشف خفايا اختفاء الشيخ سعيد في منطقة مسيحية، بحيث راجت الإشاعات أن أسباباً طائفية وراء الحادث، الإرتياح العام لدى الناس ولدى عائلة المغدور. ونوهت الحكومة والصحافة بجدارة التحري، بهذا الإنجاز الأمني، كما أصدر قائد الشرطة القضائية التنويه الرقم 3 تاريخ 31/5/1961 بأعمال المفوض جمال العازار ورجاله بمجموع عناصر الشرطة القضائية، تقديراً لهذا الأنجاز وكشف سر أختفاء رجل أعمالٍ درزي في منطقة الحدت المسيحية، في وقت قصير.
أصدر القضاء العدلي حكمه بهذه الجريمة البشعة، ورعى الوزير كمال حنبلاط لاحقاً مصالحةً بين عائلة الضحية وعائلة القاتل وأستهجن أسباب القتل ووحشية إخفاء آثار الجريمة، وأشاد بإنجاز الشرطة القضائية كشف خفايا الجريمة الغامضة .
أن أجهزة الدولة الشرعية، ولا سيما الأمنية منها، تمتلك الخبرات الراقية والوسائل الكثيرة، وهي المتخصصة والمدربة للقيام بمهماتها المكلفة بها وحدها قانوناً، بإشراف القضاء، لكن هل تتاح لها الفرصة خصوصاً هذه الأيام، لتنفيذ هذه المهمات بموضوعية وتجرد، وحرفيةٍ عالية، وهي تملك محفوظات ضخمة وأرشيفاً غنياً من البصمات DNA &Fingers  والملفات الأمنية الكثيرة، فتوفر على أهل الضحية أعمال الثأر والأنتقام واستعادة الحقوق بالوسائل الخاصة وبما تذهب بهم إلى الملاحقة العدلية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ايران 3/26/2026 2:49:00 PM
ألمح ترامب إلى تلقي "هدية كبيرة" من إيران دون الكشف عن تفاصيلها، مكتفياً بالقول إنّها ترتبط بالنفط والغاز ومضيق هرمز.
جزيرة متروكة لمصيرها قد تقدّم طوق نجاة لإيران.
لبنان 3/25/2026 10:18:00 PM
مخابرات الجيش اللبناني تطوّق مبنى في أنطلياس بعد معلومات عن وجود مسؤول إيراني… وترحيله من المنطقة
فن ومشاهير 3/23/2026 10:48:00 AM
ابنه يستعد للزواج من الفنانة يارا السكري زميلته في بطولة مسلسل "علي كلاي".