بين APA وأفنور... شتّان بين الثّرى والثّريّا
تكثر الأبحاث والرّسائل الماستراليّة والأطاريح الجامعيّة بشكل مطّرد أشبه بانتشار ظاهرة كثرة الشّعراء والأدباء والمحلّلين السّياسيّين... والكلّ يكتب. ما عُدنا نعرف إذا كان يكتب أو ينقل، ولكنّ الأكيد أنّ الكثيرين يعتمدون على الذّكاء الاصطناعيّ، الذي بات أسلوبه معروفًا، وأخطاؤه مكرّرة، أمّا معلوماته فمحدودة. لكنّي اليوم لن أتوقّف عند هذه الظّاهرة التي يتذاكى من خلالها البعض لتحصيل درجة علميّة معيّنة، ولن أتوقّف عند عدد من المناهج المتَّبَعة التي تتقيّأ الماضي في حلّة جديدة. لكنّني سأتناول موضوع منهجيّة تدوين الحواشي، حيث نلاحظ إصرارًا لدى الكثير من الجامعات، ولدى عدد لا بأس به من المجلّات المحكّمة، على اتّباع نظام APA.
يعتمد هذا النّظام على الاستغناء عن الحواشي في أسفل الصّفحة لتوثيق الإحالات في المتن، واعتماد نظام كتابة عائلة المؤلّف، وسنة نشر الكتاب، والصّفحة بين قوسين.
وهنا، يمتعض قلمي المعتاد على طريقة أفنور التي اعتمدها أساتذتنا وكبارُنا، يوم لم يكن يوجد كمبيوتر (عفوًا حاسوب)، ولم يكن من وجود لهذا الغزو الأكاديميّ من دكاترة وباحثين، فتكلّفوا عناء الطّباعة على الآلة الكاتبة، مُراعين حجم الصّفحة، كي تمكّنوا من تدوين الحواشي المرتبطة بالصّفحة في أسفلها بشكل مستقلّ عن الصّفحة اللّاحقة.
والعجيب، أنّه يوم غزا الحاسوب وسهّل استعماله طريقة تدوين الحواشي، بدأ العالم يتراجع عن منهجيّة سليمة لا يشوبها عيب، إلى منهجيّة، من وجهة نظري، ينخر فيها عابثًا الكثير من العيوب، ومنها:
أولًا-إنّ تدوين الحواشي في متن الدّراسة يمنع الانسياب والاسترسال في القراءة، وذلك أشبه بفيلم تشاهده على التّلفاز، تشتعل حماسة لمعرفة ما سيجري، وفجأة يأتي فاصل إعلانيّ يُشتّت تركيزك.
ثانيًا- يعتمد نظام APA، كما أشرنا، على تدوين عائلة المؤلّف وسنة النّشر بشكل أساسيّ، والصّفحة إذا كان الشّاهد حرفيًّا، تاركًا للباحث حرّيّة عدم ذكر الصّفحة إذا كان اقتباسه معنويًّا. وهنا يتبادر إلى ذهني سؤالان:
-هل سنة النّشر أهمّ من عنوان الكتاب؟
-ألا يشجّع عدم ذِكر الصّفحة على السّرقات الأدبيّة أو التّلاعب بما أراده المؤلّف أصلًا؟
وأبدًا بالسّؤال الأوّل فأقول: تكمن أهمّيّة الشّاهدَين: الحرفيّ والمعنويّ، في أنّهما مأخوذان من كتاب معيّن، وأنّ لهذا الكتاب عنوانًا يُعدّ من أهمّ العتبات النّصّيّة التي أشار إليها غريماس، باعتباره المُعلِن الأساسيّ لمضمون الكتاب، والدّلالة الأولى على محتواه. فما فائدة تاريخ سنة نشر الكتاب المأخوذ منه الشّاهد إذا كان كتابًا قديمًا مثلًا معجم ابن منظور أو أحد كتب الجاحظ، أو رواية، أو غير ذلك من الأعمال الأدبيّة، حيث يرد النّصّ نفسه سواء في نسخة قديمة أو حديثة؟ وهل العودة إلى السّنة تفيد القارئ أكثر من العودة إلى عنوان الكتاب، سيّما وأنّ صِفات الكتاب، لِمَن أراد المزيد من المعلومات أو العودة إليه، موجودة في لائحة المصادر والمراجع؟!
فضلًا عن أنّ هذه الطّريقة لا تسهّل العودة إلى الكتاب/ المرجع بسهولة تلقائيّة.
أمّا بالنّسبة إلى السّؤال الثّاني الذي يتناول الاقتباس المعنويّ، فأين تكمن الأمانة العلميّة؟ يستطيع الباحث، بكلّ بساطة، من خلال لجوئه إلى هذه المنهجيّة، كتابة الرّأي الذي يناسبه والذي يتماشى مع مقتضيات بحثه والنّتائج التي يبغي التّوصّل إليها، والإحالة إلى كتاب معيّن لمؤلّف معروف وموضع ثقة، ليؤكّد رأيه. ولا أظنّ أنّ أحدًا سيعاني قراءة كتاب ربّما يتخطّى مئات الصّفحات، كي يعرف موضع ورود هذا الرّأي، ويتوسّع معرفة به إذا أراد ذلك.
أكتب هذا المقال وأنا على يقين من أنّ الكثيرين من الأكاديميّين لن يؤيّدوا رأيي، ولكن ليس بيدي حيلة، أكتب قناعتي، ولكم أن تكتبوا كما تريدون. وقناعتي أنّ الصّعوبة التي يجدها الباحثون في منهجيّة أفنور (علمًا أنّها سهلة وعلميّة للغاية) تجعلهم يتّجهون إلى أخرى أكثر سهولة، مبرّرين ذلك بأسباب واهية لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة. والحقّ يُقال، إنّ نظام APA يصحّ في الأبحاث العلميّة التي تعتمد بشكل خاصّ على دراسات حديثة، ولكن ليس في أبحاث تشمل المجال الأدبيّ والعلوم الإنسانيّة.
وأخيرًا أتساءل: إذا كان هذا النّظام متّبعًا في أميركا، فهل هذا يعني أنّ علينا الأخْذ به من دون إشغال الفكر بحسناته وسيّئاته؟
كلّ شيء يتقهقر... المجتمع يتقهقر... العلم يتقهقر... والمسؤوليّة بيدكم يا مَن تحملون راية التّعليم... لقد أضعتم البوصلة، وها أجيال قادمة ستعاني الضّياع بين ما سيُترَك لها من نتاج الحاضر، إذا كان في الحاضر ما يستحقّ أن يبقى للمستقبل!
نبض