كتاب على مكتب نتنياهو... كيف يتحول التاريخ إلى ذريعة للحرب؟

كتاب على مكتب نتنياهو... كيف يتحول التاريخ إلى ذريعة للحرب؟
الكتاب على مكتب نتنياهو (متداول)
Smaller Bigger

شفيق طاهر

ليست الكتب التي تظهر على مكاتب الساسة تفصيلاً عابراً، ولا مجرد لمسة جمالية تضاف إلى المشهد. ففي أحيان كثيرة، تكون جزءاً من اللغة السياسية، وإشارة مقصودة إلى الطريقة التي يريد صاحبها أن يُنظر إليه من خلالها، أو أن يبرر بها خياراته. 

من هنا، لا يبدو ظهور كتاب Allies at War أي "الحلفاء في الحرب" للمؤرخ البريطاني تيم بوفري على مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مجرد صدفة، بل هي رسالة موضوعة بعناية داخل الصورة.

فالكتاب هنا لا يؤدي وظيفة تجميلية، بل وظيفة إيحائية. وجوده في المشهد يوحي بأن الهجوم على إيران لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حدثاً عابراً، بل باعتباره جزءاً من سياق أكبر: حرب وتحالفات وموازين قوى وصراعات مفتوحة. وهكذا، يصبح الكتاب نفسه جزءاً من الخطاب، لا مجرد خلفية له.

"الحلفاء في الحرب"... تحالفات الضرورة لا الانسجام
ما يجعل "الحلفاء في الحرب" لافتاً في هذا السياق ليس عنوانه فقط، بل الفكرة التي يحملها. فالكتاب يتناول العلاقة المركبة بين القوى الرئيسية في معسكر الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، ولا سيما بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، مركزاً على ما شاب تلك العلاقة من شكوك وصراعات مكتومة وتباين في الأولويات. وهو لا يروي حكاية تحالف منسجم بقدر ما يروي كيف أمكن قوى متباعدة في الرؤية والمصالح أن تتماسك موقتاً لأن الخطر الأكبر فرض عليها ذلك.

بهذا المعنى، يشرح الكتاب أن التحالفات الكبرى لا تقوم بالضرورة على الثقة، بل على الضرورة، ولا تستمر بفضل التفاهم الكامل، بل بفضل القدرة على إدارة التناقضات وتأجيل انفجارها إلى ما بعد المعركة. 

 

الكتاب على مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي. (متداول)
الكتاب على مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي. (متداول)

 

وهذه ليست فكرة تاريخية مجردة، بل مفتاح سياسي واضح لفهم سبب جاذبية هذا الكتاب لنتنياهو. فهو يمنحه إطاراً يفسر من خلاله علاقته بالولايات المتحدة: تحالف مصيري، نعم، لكنه ليس خالياً من التوتر... شراكة استراتيجية، لكن من دون تطابق كامل في الحسابات أو التوقيت أو اللغة.

من هنا، يبدو وضع "الحلفاء في الحرب" على الطاولة تلخيصاً رمزياً لفكرة يريد نتنياهو ترسيخها، الخلاف مع الحليف لا يلغي التحالف، بل قد يكون جزءا من طبيعته، ما دام الطرفان يريان نفسيهما في مواجهة عدو أكبر.

من "استرضاء هتلر" إلى منطق الحسم
غير أن استدعاء هذا الكتاب لا يبقى معزولاً عن مناخ فكري أوسع يحيط بخطاب نتنياهو. ففي تحليل هذا المناخ، يحضر أيضاً كتاب بوفري الآخر Appeasing Hitler "استرضاء هتلر"، بوصفه مرجعاً فكرياً يساعد على فهم الخلفية الذهنية التي يتحرك ضمنها خطاب نتنياهو.

يتناول "استرضاء هتلر" سياسة الاسترضاء التي اتبعتها بريطانيا وفرنسا في ثلاثينيات القرن الماضي إزاء أدولف هتلر، حين جرى التعاطي مع مطالبه التوسعية على أمل احتوائه وتجنب حرب شاملة في أوروبا. 

ويُظهر الكتاب كيف تحولت سياسة الاحتواء، في السردية التاريخية اللاحقة، إلى مثال كلاسيكي على سوء تقدير الخطر النازي، وعلى الوهم القائل إن تقديم التنازلات لخصم توسعي يمكن أن يضمن السلام. فبدلاً من أن يخفف الاسترضاء من اندفاع هتلر، بدا - في هذا التصور - كأنه شجعه على المضي أبعد.

تكمن أهمية هذا الكتاب في الفكرة التي يعيد إنتاجها: التنازل أمام الخصم لا يصنع سلاماً، بل قد يفتح الطريق إلى خطر أكبر. وهذه الفكرة، تحولت في الاستخدام السياسي المعاصر إلى أداة جاهزة لتبرير التشدد، ووصم التفاوض بالضعف، وتقديم القوة بوصفها الخيار الوحيد العقلاني والأخلاقي في آن.

هنا تحديداً لا يستدعى التاريخ لدى نتنياهو من أجل دروسه، بل من أجل ما يتيحه من تشبيهات حاسمة ومريحة له ولسياسته العدوانية. ويتحول إلى مصدر لشرعية... شرعية عدوانية. وهذا يمنح الخطاب السياسي لنتنياهو صلابة ظاهرية، لكنه في الوقت نفسه يختزل الواقع، ويقصي كل ما لا ينسجم مع ثنائية القوة أو الانهيار.

حين يتحول التاريخ من تفسير إلى ذريعة
الفارق إذا، بين كتاب موضوع على الطاولة، هو "الحلفاء في الحرب"، وكتاب يجري استحضاره في التحليل لتفسير ذهنية نتنياهو السياسية، هو "استرضاء هتلر". غير أن الجمع بينهما، حتى على هذا المستوى، يكشف الكثير عن طبيعة المقاربة التي يريد نتنياهو أن يقدم نفسه من خلالها، خصوم لا يفهمون إلا الردع، وحلفاء لا بد من التمسك بهم مهما تعقدت الخلافات معهم.

وهكذا، لا يعود السؤال، كيف يستعمل التاريخ لتبرير ما تقرر سلفاً؟ وهذا هو المعنى الأعمق للكتاب الموضوع على مكتب نتنياهو. فهو لا يقول فقط ماذا يقرأ الرجل، بل ماذا يريد أن يقول من خلال ما يقرأ، إن الحرب ليست خياراً طارئاً، بل في السردية التي يصوغها نتنياهو لنفسه وللآخرين، وامتداداً مشروعاً لدرس أكبر مستوحى من الحرب العالمية الثانية.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة الأخطر، إذ يتحول التاريخ إلى ذريعة، ليصبح الكتاب أقل صلة بالمعرفة، وأكثر صلة بالقوة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 3/23/2026 9:45:00 AM
هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم نيسان/أبريل بنسبة 5 بالمئة إلى 4347 دولاراً.
لبنان 3/22/2026 11:45:00 PM
يوجد 23 أسيراً لبنانياً لدى إسرائيل...
لبنان 3/22/2026 11:00:00 PM
أعلن صفا أن الحزب نجح في معالجة الخروقات الأمنية والتكنولوجية التي عانى منها في الحروب السابقة وتوعد بـ "مفاجآت" ميدانية.
لبنان 3/23/2026 6:15:00 PM
السفارة الأميركية في بيروت تحث رعاياها على المغادرة عبر رحلات متاحة وتؤكد أولوية السلامة.