حين يُطلب من الجنوب أن يحترق
حيدر الأمين
في كل مرة تقترب فيها الحرب من لبنان، يتكرر المشهد نفسه: الجنوب يحترق، القرى تُقصف، والناس يُهجَّرون من بيوتهم. ثم تخرج الشعارات والخطب، ويُقال إن ما يحدث قدرٌ لا مفر منه. لكن الحقيقة التي لم يعد ممكناً تجاهلها واضحة: الجنوب اللبناني تحوّل منذ سنوات إلى ساحة صراع تُدار فيها حسابات أكبر من لبنان نفسه، وحيث يدفع أبناؤه الثمن أولاً وأخيراً: الدم والدمار والتهجير، بينما تُدار الحروب باسمهم وليس لهم.
يجب أن نوضح أمراً مهماً: الشيعة في لبنان ليسوا جبهة دائمة للحروب، وليسوا جيشاً احتياطياً لصراعات المنطقة. هم مواطنون لبنانيون قبل أي شيء، لهم الحق في حياة طبيعية، في الاستقرار، وفي مستقبل لأطفالهم بعيداً عن القصف والخراب. الجنوب ليس مجرد خط تماس مع إسرائيل، بل مجتمع كامل: قرى، مدارس، جامعات، مزارع، عائلات. وعندما تتحول هذه الأرض إلى ساحة مواجهة دائمة، فإن الثمن لا يُدفع بالشعارات، بل بالدم والبيوت المهدّمة والأجيال التي تكبر في ظل الخوف.
المشكلة ليست في حق لبنان بالدفاع عن نفسه، فهذا حق لا يمكن إنكاره. المشكلة حين يصبح قرار الحرب والسلم خارج الدولة، وحين تُربط مصائر اللبنانيين بصراعات إقليمية تتجاوز حدود بلدهم. لقد اعتاد الكثيرون الصمت طويلًا. صمتوا خوفاً، أو تعباً، أو اقتناعاً بأن الاعتراض لن يغيّر شيئاً. لكن هذا الصمت سمح بتكرار مأساة الجنوب، وتحويل حياة الناس إلى رهينة لصراعات ليست من اختيارهم. الحقيقة التي يجب أن تُقال اليوم بسيطة ومباشرة: لا يمكن لأي مجتمع أن يبني مستقبله إذا كان يُطلب منه أن يعيش باستمرار على خط النار. الكرامة الوطنية لا تعني أن يتحول الناس إلى وقود دائم للصراعات. البطولة لا تكون في تدمير القرى وإفراغها من أهلها. أبناء الجنوب لم يُخلقوا ليكونوا دروعاً بشرية في حرب مفتوحة، بل مواطنون لبنانيون يريدون دولة تحميهم، لا ساحة لتصفية حسابات إقليمية.
إن اختزال الشيعة في لبنان في دور عسكري دائم هو ظلم لهم قبل أن يكون مشكلة لبقية اللبنانيين. فهم جزء أساسي من هذا البلد، من تاريخه وثقافته، ومن نسيجه الوطني، ولا يمكن أن يُختصر مستقبلهم في جبهة قتال لا تنتهي. لبنان لن ينهض إذا بقي ساحة لحروب الآخرين، ولن يستعيد استقراره إذا بقي قرار الحرب خارج الدولة. لقد رفع اللبنانيون شعارات كثيرة، لكن السؤال البسيط اليوم: كم حرباً إضافية يستطيع هذا البلد أن يتحمل؟ ربما آن الأوان لكي يُقال ما يخشاه كثيرون: حماية لبنان لا تكون بتعريضه لحروب دائمة، ولا بجعل جزء من شعبه يعيش على خط النار إلى الأبد.
الجنوب ليس جبهة لحروب الآخرين.
إنه أرض ناس يريدون أن يعيشوا.
المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية
نبض