6 صواريخ ومصير وطن

6 صواريخ ومصير وطن
غارة إسرائيلية تستهدف ضاحية بيروت الجنوبية (أ ف ب)
Smaller Bigger

سيريل سلوم 

 

في حياة الدول كما حياة المرء مهما كان مداها تبقى بعض المحطات والفترات محفورة في الذاكرة ويدونها التاريخ ليسجلها وليحتفظ بها نظراً لأهميتها ودورها المركزي في تدوين الماضي، تفسير الحاضر وبناء المستقبل ولأن ببساطة ما قبلها ليس كما بعده. ومن هذه المحطات لا بد أن يسجل تاريخ الجمهورية اللبنانية أن ما قبل فجر الاثنين 2 آذار/مارس 2026 ليس حتماً كما بعده.

في 28 شباط 2026 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة بالشراكة والتعاون مع إسرائيل قد بدأت "عمليات قتالية كبرى" ضد إيران مستهدفةً البنى التحتية العسكرية والأمنية والقدرات الصاروخية للحرس الثوري الايراني وعدة أهدافٍ استراتجية ضد المنشآت الحيوية بهدف القضاء على برنامج انتاج الصواريخ الباليستية الإيرانية ولإزالة التهديد النووي الذي تشكله طهران على كل من واشنطن وتل أبيب وذلك بعد أسابيع من المفاوضات النووية المشحونة في العاصمة العمانية بالنفوس المدججة والبنادق الملقمة.
سرعان ما بدأ الردّ الإيراني باستهداف المصالح الأميركية في المنطقة سواء العسكرية والمدنية منها، المنتشرة في المنطقة فضلاً عن استهداف الأراضي الإسرائيلية بدفعات صاروخية ومسيرات. ففي أقل من 24 ساعة، أصبح الشرق الأوسط برمّته تحت مرمى الصواريخ والغارات باستثناء لبنان وذلك خلافاً لكل التوقعات لتبدو مبادرات السلطة السياسية اللبنانية لتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية ومنع زجّه في أي أعمالٍ حربية لا علاقة له بها ولا مصلحة لديه فيها ناجحة، وفي طليعتها انعقاد مجلس الأعلى للدفاع في القصر الجمهوري في 1 آذار/مارس حيث أعاد وشدّد على أن قرار الحرب والسلم هو في عهدة الدولة اللبنانية وحدها التي تمارسه عبر مؤسساتها الدستورية حصراً. فموقف الدولة اللبنانية جاء واضحاً إلاّ أنها قد أغفلت أن حزب الله ليس في النهاية سوى امتداد للنفوذ الإيراني وأن وعوده وضماناته ليست في الحقيقة سوى كلامٌ فارغ منفصل عن نواياه الحقيقية على قاعدة "بلّوه واشربوا ميتو".

استيقظ اللبنانيون في منتصف ليل الثاني من آذار/مارس على قوة الضربات الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية بعد أن تبنى حزب الله إطلاق ستة صواريخ مستهدفاً مناطق إسرائيلية وفق أولويات بيانه الرسمي: ثأراً لدماء الإمام الخامنئي ... ودفاعاً عن لبنان وشعبه، ما أعاد إلى الذاكرة البيانات الرسمية خلال حرب الإسناد حيث وضعت غزة أولوية على حساب لبنان.  

أشعل حزب الله المعركة من الحدود اللبنانية فأشعل معه لبنان ودفع أكثر من مليون لبناني نحو النزوح فداءً للدماء الإيرانية ومساندةً لطهران وبرسالة واضحة لقرار السلطة اللبنانية التي كانت تعيد وتؤكد احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم: "بلّوه واشربوا ميتو" وهو ليس بغريب عمّن اختار الموت على حساب تسليم السلاح.

أمام تمرد حزب الله بوجه الشرعية اللبنانية وتوريط لبنان بحربٍ أكبر منه اجتمع مجلس الوزراء صباح الثاني من آذار/مارس في جلسةٍ استثنائية امتدت لأكثر من أربعة ساعات فاتخذ قراراً جريئاً بإعلان الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافة باعتبارها خارجة عن القانون وإلزامه بتسليم سلاحه للدولة وحصر عمله في المجال السياسي. وعملاً بهذا القرار بدأت القوى الأمنية اللبنانية بتوقيف حاملي السلاح المتوجهين نحو الجنوب، ودعا وزير الإعلام بعدم استخدام كلمة "مقاومة" عند الحديث عن حزب الله في خطوات واضحة لتنفذ القرار لكنها غير كافية.


أخذت الجبهة العسكرية بالاحتدام شيئاً فشيئاً، يوماً بعد يوم، مع استمرار الرشقات الصاروخية من حزب الله وتكثيف الغارات الجوية الإسرائيلية تزامناً مع دخول القوى الإسرائيلية البرية إلى جنوب لبنان واحتلالها أراضي لبنانية. أمام الخطر الوجودي على الكيان اللبناني والنوايا الإسرائيلية باجتياح جنوب لبنان بأكمله لإقامة منطقة عازلة تضمن أمن مستوطنات الشكال ومع تضخم عبء النزوح الداخلي وشلل الاقتصاد الوطني، أطلق الرئيس عون مبادرة شجاعة قضى بنقطتها الرابعة بعد وقف اطلاق النار ومساعدة القوى الأمنية والعسكرية اللبنانية بالتفاوض المباشر مع إسرائيل برعايةٍ أميركية لكن لا موقف رسمياً من الجانب الإسرائيلي حيال المبادرة حيث إنه عازم في الاستمرار في القتال لتحقيق أهدافه العسكرية فضلاً عن رسائله الموجهة للسلطة السياسية اللبنانية بقصف البنى التحتية في الجنوب للضغط عليها للعمل ضد حزب الله والتهديدات بجعل بيروت غزةً ثانية.  

إن الأحداث الأخيرة التي أصابت البيت اللبناني شوهت معالمه الجديدة التي تحاول السلطة السياسية بناءها منذ انتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل حكومة الإصلاح والإنقاذ في بداية العام الماضي. إن الشعب اللبناني سئم الوعود وتعب من المغامرات الفاشلة والعشوائية فداءً لأجنداتٍ خارجية وحساباتٍ إقليمية فالمؤمنين بالدولة وبالسلطة السياسية يشعرون بمزيج من الغضب تجاه مغامرات حزب الله المتكررة واللاعقلانية وبخيبة أملٍ إزاء السلطة السياسية التي أعلنت مرارًا عدم السماح بإدخال لبنان في مغامرات جديدة وبسط سيطرتها العملياتية في جنوب الليطاني تأكيداً منها لاحتكارها القرارات المصيرية، إلاّ أن حقيقة الأمور بدت مرّة ومختلفة.

في النهاية، اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، حان وقت الدولة، دولةٌ قوية، لا بديل عنها مهما بلغت التحديات والمخاطر، فالمسألة اليوم لا تتعلق بحقيبة وزارية ولا بتعيين إداري أو بمقاعد نيابية بل بمصير وطنٍ يحتم على الدولة ومؤسساتها استلام زمام الأمور لكتابة فصلٍ جديدٍ مزدهر في كتاب الجمهورية، فصلٌ تفرض من خلاله الدولة: جمهورية قوية وترسم عبره مستقبلاً واعداً لأبنائها. فهل يعقل في زمن بناء الدولة أن تقوم بضعة صواريخ محظورة قانونياً بتحديد مصير ومستقبل وطنٍ وشعب؟ وهل يعقل أن يكون لبنان مرةً جديدة ساحةً لحروب الآخرين تنتهي في ختامها التسويات على حسابه؟ وهل يسمح لمن أطلق الصواريخ أن يشتري سقوط الدولة اللبنانية؟ 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 3/23/2026 9:45:00 AM
هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم نيسان/أبريل بنسبة 5 بالمئة إلى 4347 دولاراً.
لبنان 3/22/2026 11:45:00 PM
يوجد 23 أسيراً لبنانياً لدى إسرائيل...
هدّد ترامب السبت بتدمير منشآت الطاقة الإيرانية إذا لم تفتح طهران بالكامل مضيق هرمز
لبنان 3/22/2026 11:00:00 PM
أعلن صفا أن الحزب نجح في معالجة الخروقات الأمنية والتكنولوجية التي عانى منها في الحروب السابقة وتوعد بـ "مفاجآت" ميدانية.