متى نخوض معركة وجود لبنان ونعبر معاً من منطق الغاب إلى الدولة؟

منبر 23-03-2026 | 12:53

متى نخوض معركة وجود لبنان ونعبر معاً من منطق الغاب إلى الدولة؟

من قلب بيروت، وفي أزقة هذه المدينة القديمة التي تتأرجح بلا انقطاع بين الحياة والموت، تعود الحرب لتكشف حقيقة أعمق من الدمار نفسه: حقيقة الدولة الغائبة. 
متى نخوض معركة وجود لبنان ونعبر معاً من منطق الغاب إلى الدولة؟
ارشيفية
Smaller Bigger

جوزيف جروش - خريج معهد العلوم السياسية في باريس (Sciences Po) والأكاديمية العسكرية الفرنسية سان سير (Saint-Cyr)
مؤسّس ورئيس «منتدى فرنسا–لبنان» ومحاضر في معهد العلوم السياسية في باريس
ومستشار للشركات الخاصة والحكومات والهيئات العامة في فرنسا والشرق الأوسط وآسيا في قضايا التحولات الاستراتيجية وتطوير الأعمال على الصعيد الدولي.

 

 

من قلب بيروت، وفي أزقة هذه المدينة القديمة التي تتأرجح بلا انقطاع بين الحياة والموت، تعود الحرب لتكشف حقيقة أعمق من الدمار نفسه: حقيقة الدولة الغائبة. فالحروب التي مرّت على لبنان لم تكتفِ يومًا بتدمير الحجر وتهجير البشر، بل كانت، في كل مرة، تمزّق ستار الأوهام الذي حجب عنا سؤالًا أساسيًا: هل نجح لبنان يومًا في أن يصير دولة فعلًا؟
الجواب، بكل مرارته، هو أن لبنان لم ينجح بعد في بناء دولة مكتملة المعنى. لقد عاش طويلًا على مرونة وذكاء مجتمعه، وعلى شبكات التضامن الأهلي، وعلى حيوية اقتصاده، وعلى طاقات الاغتراب. لكنه لم يؤسس، بالمعنى السياسي الصارم، سلطة دولة متماسكة تعلو على الجميع، تحتكر السلاح، وتملك وحدها قرار الحرب والسلم، وتنتج مؤسسات دائمة لا ترتجف أو تنقسم عند كل أزمة.
من هنا، تبدو الحرب الراهنة كاشفة لجرح لبناني نرجسي قديم: العجز عن بناء الدولة. فمنذ أكثر من نصف قرن، وجدت الحرب في لبنان تربة خصبة: نظامًا سياسيًا هشًا، وتوازنات طائفية قلقة، وولاءات متداخلة، وفضاءً مفتوحًا على التأثيرات الخارجية. وهكذا ظل البلد معلقًا بين صورة الدولة وواقع اللا دولة.
لفهم هذا المأزق، يمكن العودة إلى مفهوم مؤسس في الفلسفة السياسية الحديثة: "حالة الطبيعة" عند توماس هوبز. في هذه الحالة، تغيب السلطة السياسية المشتركة، ويغيب الحكم الجامع، ويصبح الإنسان مهددًا بالآخر. تسود الريبة، ويتحول الخوف إلى قاعدة، وتغدو الحياة، بحسب عبارة هوبز الشهيرة، "منعزلة، بائسة، خطرة، وحشية وقصيرة". 
ليس المقصود أن لبنان يعيش حربًا أهلية مفتوحة على الدوام، بل إنه يعيش، بصورة كامنة أو معلنة، منطق "حرب الجميع ضد الجميع". يتجلى ذلك في تفتت السلطة، وتنافس الشرعيات، وتآكل الثقة بالمؤسسات، وارتهان الأفراد والجماعات إلى حمايات طائفية أو حزبية أو خارجية. حينذاك، لا يعود المواطن مواطنًا كاملًا في ظل دولة تحميه، بل عضو في جماعة تبحث عن أمنها الخاص. وهنا، تفقد الدولة معناها بوصفها الإطار السياسي الجامع للوطن.
يعلمنا هوبز أيضًا أن الخروج من هذه الحالة لا يتم بالعاطفة ولا بالحرب، بل بالعقل. فالناس، حين يكتشفون أن انعدام السلطة المشتركة يقود إلى الخوف الدائم، يبرمون عقدًا اجتماعيًا يتنازلون بموجبه عن جزء من حريتهم الطبيعية لسلطة عليا. هذا هو جوهر الدولة الحديثة: الثقة في مرجعية واحدة أعلى من الولاءات والمخاوف الفئوية، تكون قادرة على فرض الأمن والسلم.
وهذا تحديدًا ما لم ينجزه لبنان كاملًا. فقد أعلن الدولة، لكنه لم يمنحها السيادة كاملة. وبنى مؤسسات، لكنه لم يسلّمها حصرًا القرار الاستراتيجي. واحتفى بالجمهورية، لكنه أبقى إلى جانبها شبكات موازية من النفوذ والحماية والقرار. هكذا بدا لبنان، في كثير من الأحيان، دولة من الناحية القانونية، لكن منقوصة السيادة من الناحية الفعلية.
صحيح أن لبنان يستوفي، وفق معايير القانون الدولي، عناصر الدولة المعروفة: شعب، وأرض، وحكومة، وقدرة على إقامة العلاقات مع الدول الأخرى. لكن هذه الشروط الشكلية لا تكفي. فالدولة ليست مجرد اعتراف خارجي أو تمثيل دبلوماسي. الدولة، في معناها السياسي الحديث، هي أيضًا ما عرّفه ماكس فيبر: الجهة التي تحتكر العنف الشرعي على أرضها. أي أنها السلطة الوحيدة التي تملك حق استخدام القوة، وتقرير الحرب والسلم، وفرض القانون باسم المصلحة العامة.
عند هذه النقطة تحديدًا تتجلى الأزمة اللبنانية في أوضح صورها. فالدولة التي لا تحتكر السلاح، ولا تملك وحدها قرار الحرب والسلم، ليست دولة مكتملة. والدولة التي تتقاسم سلطتها الفعلية مع قوى أخرى، أكانت حزبية أو طائفية أو مسلحة، تبقى دولة معلّقة. وفي بيئة إقليمية مضطربة كبيئة الشرق الأوسط، لا تبقى الكيانات الهشة محايدة، بل تتحول سريعًا إلى ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين.
لذلك، فإن القضية اللبنانية ليست سياسية فقط، ولا اقتصادية فقط، ولا إدارية فقط، بل هي، في جوهرها، قضية وجود. ماذا يريد لبنان أن يكون؟ مجرد توازن هش بين جماعات خائفة؟ أم كيانًا سياسيًا فعليًا، ذا سلطة شرعية واحدة، وقانونًا واحدًا، وقرارًا سياديًا واحدًا؟ 
من هنا تأتي مركزية المؤسسات وأولها الجيش. فلبنان القابل للحياة يحتاج إلى ترجمة الدولة في مؤسسات عامة فاعلة لخدمة المواطن، وجيش وطني قوي وشرعي قادر على بسط سلطة الدولة.
لقد وصل لبنان إلى لحظة الحقيقة ولعلها تكون لحظة تحول مفصلية. فحين تسقط الأوهام، يصبح التفكير السياسي ممكنًا من جديد. وحين تتصدع التسويات الزائفة، تظهر ضرورة بناء عقد وطني جديد.
لبنان لا يحتاج اليوم إلى تسويات إضافية بقدر ما يحتاج إلى قرار تاريخي ليصبح دولة فعلًا. دولة تضع المواطن قبل الطائفة، والمصلحة الوطنية قبل الحسابات الحزبية، والقانون قبل موازين القوى. من دون ذلك، سيبقى لبنان يعيش في منطق الغاب، متأرجحًا بين الدولة واللا دولة. أما إذا التقط هذه الفرصة، فقد يحول هذه الحرب، بكل مأساتها، إلى بداية بناء الدولة في لبنان.
الطريق إلى الدولة قد يكون طويلاً ووعراً ومحفوفاً بالمخاطر… لكنه ممكن، وهنا بيت القصيد.



العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 3/23/2026 9:45:00 AM
هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم نيسان/أبريل بنسبة 5 بالمئة إلى 4347 دولاراً.
اسرائيليات 3/21/2026 10:54:00 PM
ضربة صاروخية على عراد: أكثر من 120 مصابًا وانهيار مبانٍ ومخاوف من عالقين تحت الأنقاض
اسرائيليات 3/22/2026 1:59:00 PM
ذكر سلاح الجو أنّه حتى الآن تم إطلاق أكثر من 400 صاروخ باليستي نحو إسرائيل.
لبنان 3/22/2026 2:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي هدّد بتدمير الجسر... فما أهميّته لجنوب لبنان؟