منبر
23-03-2026 | 12:31
نواف سلام بلا التباس: لبنان ليس منصة لإيران
سلام لم يستخدم لغة اتهامية، ولم يسمِّ الأمور بأسمائها الصدامية، لكنه قال ما يكفي لفهم المعادلة
رئيس الحكومة نواف سلام (نبيل إسماعيل).
لم يكن المشهد استثنائيًا من حيث الشكل. رئيس حكومة يجلس أمام كاميرا، يجيب بهدوء، يختار كلماته بعناية، ويتجنب الانفعال. لكن ما كان استثنائيًا فعلًا هو ما قيل، لا بنبرة الصوت بل بثقل المعنى. نواف سلام لم يحتج إلى خطاب مرتفع كي يمرّر رسالة قاطعة؛ قالها كما هي، بهدوء رجل دولة يعرف أن اللحظة لا تحتمل المواربة.
منذ البداية، بدا واضحًا أن الحديث ليس عن جولة عسكرية عابرة، بل عن مسار كامل أوصل لبنان إلى ما هو عليه. حين قال إن الحرب فُرضت على لبنان، وإنها ليست حرب اللبنانيين بل امتداد لصراع إقليمي أكبر، لم يكن يبرئ أحدًا بقدر ما كان يضع الإصبع على الجرح. لبنان، مرة جديدة، يُسحب إلى معركة لا تخصه، ويدفع ثمنًا لا علاقة له بحساباته الوطنية.
لكن المعنى الأعمق لم يكن فقط في توصيف الحرب، بل فيما تلا ذلك. في لحظة هادئة، بلا شعارات ولا تحدٍّ، أعاد سلام تعريف فكرة الدولة نفسها. قال إن لا دولة من دون قرار واحد للحرب والسلم، ولا دولة يمكن أن تقوم إذا كان فيها أكثر من جيش وأكثر من سلطة. كان هذا الكلام، في سياقه اللبناني، أشبه بإعلان سياسي واضح: زمن ازدواجية القرار يجب أن ينتهي.
ومن هنا، تتكشف أهمية ما قاله لاحقًا، وربما ما أراد أن يقوله بأكبر قدر من الوضوح الممكن دون الانزلاق إلى لغة المواجهة. لبنان، بحسب هذا المنطق، لن يكون بعد اليوم منصة لأي مغامرة. لم يقلها كشعار، بل كالتزام. وفي خلفية هذا الالتزام، رسالة لا تخطئها القراءة: لن يُسمح بعد الآن باستخدام لبنان كأداة في صراعات إيران، ولا كساحة لتصفية حساباتها مع العالم العربي، ولا تحديدًا مع دول الخليج.
هذه النقطة ليست تفصيلًا. هي قلب التحول في الخطاب. لأن ما جرى خلال السنوات الماضية أثبت، بالوقائع لا بالتحليلات، أن لبنان استُخدم مرارًا كمنصة متقدمة، سواء عسكريًا أو أمنيًا أو سياسيًا، في صراع لا يشبهه. وما قاله سلام اليوم هو، ببساطة، أن هذا الدور لم يعد مقبولًا. ليس فقط لأنه يضر بعلاقات لبنان العربية، بل لأنه يدمر الداخل اللبناني نفسه.
وفي هذا السياق، يصبح فهم موقع حزب الله مختلفًا. فحين تُخاض حرب تحت عنوان “الإسناد” من دون أي مصلحة لبنانية مباشرة، وحين تكون كلفتها آلاف الضحايا ومئات آلاف النازحين ودمارًا واسعًا، فإن السؤال الطبيعي لم يعد إن كانت هذه مقاومة أم لا، بل لمن تُخاض هذه الحرب أصلًا.
سلام لم يستخدم لغة اتهامية، ولم يسمِّ الأمور بأسمائها الصدامية، لكنه قال ما يكفي لفهم المعادلة. حين ربط الحرب بإسناد إيران، وحين شدد على ضرورة حصرية السلاح بيد الدولة، وحين رفض منطق “المغامرات”، كان يضع توصيفًا واضحًا لوظيفة هذا السلاح. وظيفة لم تعد مرتبطة بالدفاع عن لبنان، بل بمشروع أوسع يتجاوز حدوده.
ومن هنا، تتبدى الحقيقة التي حاول قولها بلباقة دبلوماسية: أن إيران ليست في وارد الدفاع عن أي مكوّن لبناني بقدر ما هي في وارد استخدام لبنان ضمن استراتيجيتها. والدليل ليس نظريًا، بل ماثل في النتائج. المناطق التي يُفترض أنها محمية كانت الأكثر تضررًا، والبيئة التي قيل إنها مستفيدة دفعت الثمن الأكبر.
في مقابل هذا الواقع، قدّم سلام طرحًا بسيطًا في شكله، عميقًا في مضمونه: العودة إلى الدولة. ليس كشعار، بل كخيار وحيد. قال إن مرجعية اللبنانيين يجب أن تكون الدولة اللبنانية، لأن أي بديل عن ذلك ليس إلا وهمًا جُرّب سابقًا وكلف لبنان الكثير.
وهنا، يتحول كلامه من موقف حكومي إلى دعوة سياسية وأخلاقية في آن واحد. دعوة للبنانيين كي يحددوا موقعهم بوضوح: هل يريدون دولة فعلية بقرار واحد، أم استمرار العيش في ظل توازنات هشة تُبقي البلد ساحة مفتوحة؟
في النهاية، لم يكن نواف سلام ثوريًا في أسلوبه، لكنه كان كذلك في مضمونه. قال ما يعرفه كثيرون، لكنه قاله من موقع المسؤولية. قال إن لبنان ليس ساحة، وليس منصة، وليس ورقة تفاوض في يد أحد. قال إن كرامة الدولة تبدأ من احتكارها للقرار، وإن أي شيء أقل من ذلك ليس دولة.
ويبقى السؤال، بعد كل هذا الوضوح: هل اللبنانيون مستعدون أن يسمعوا ما قيل… وأن يتصرفوا على أساسه؟
بقلم ندين المصري
صحفية في قناة العربية
منذ البداية، بدا واضحًا أن الحديث ليس عن جولة عسكرية عابرة، بل عن مسار كامل أوصل لبنان إلى ما هو عليه. حين قال إن الحرب فُرضت على لبنان، وإنها ليست حرب اللبنانيين بل امتداد لصراع إقليمي أكبر، لم يكن يبرئ أحدًا بقدر ما كان يضع الإصبع على الجرح. لبنان، مرة جديدة، يُسحب إلى معركة لا تخصه، ويدفع ثمنًا لا علاقة له بحساباته الوطنية.
لكن المعنى الأعمق لم يكن فقط في توصيف الحرب، بل فيما تلا ذلك. في لحظة هادئة، بلا شعارات ولا تحدٍّ، أعاد سلام تعريف فكرة الدولة نفسها. قال إن لا دولة من دون قرار واحد للحرب والسلم، ولا دولة يمكن أن تقوم إذا كان فيها أكثر من جيش وأكثر من سلطة. كان هذا الكلام، في سياقه اللبناني، أشبه بإعلان سياسي واضح: زمن ازدواجية القرار يجب أن ينتهي.
ومن هنا، تتكشف أهمية ما قاله لاحقًا، وربما ما أراد أن يقوله بأكبر قدر من الوضوح الممكن دون الانزلاق إلى لغة المواجهة. لبنان، بحسب هذا المنطق، لن يكون بعد اليوم منصة لأي مغامرة. لم يقلها كشعار، بل كالتزام. وفي خلفية هذا الالتزام، رسالة لا تخطئها القراءة: لن يُسمح بعد الآن باستخدام لبنان كأداة في صراعات إيران، ولا كساحة لتصفية حساباتها مع العالم العربي، ولا تحديدًا مع دول الخليج.
هذه النقطة ليست تفصيلًا. هي قلب التحول في الخطاب. لأن ما جرى خلال السنوات الماضية أثبت، بالوقائع لا بالتحليلات، أن لبنان استُخدم مرارًا كمنصة متقدمة، سواء عسكريًا أو أمنيًا أو سياسيًا، في صراع لا يشبهه. وما قاله سلام اليوم هو، ببساطة، أن هذا الدور لم يعد مقبولًا. ليس فقط لأنه يضر بعلاقات لبنان العربية، بل لأنه يدمر الداخل اللبناني نفسه.
وفي هذا السياق، يصبح فهم موقع حزب الله مختلفًا. فحين تُخاض حرب تحت عنوان “الإسناد” من دون أي مصلحة لبنانية مباشرة، وحين تكون كلفتها آلاف الضحايا ومئات آلاف النازحين ودمارًا واسعًا، فإن السؤال الطبيعي لم يعد إن كانت هذه مقاومة أم لا، بل لمن تُخاض هذه الحرب أصلًا.
سلام لم يستخدم لغة اتهامية، ولم يسمِّ الأمور بأسمائها الصدامية، لكنه قال ما يكفي لفهم المعادلة. حين ربط الحرب بإسناد إيران، وحين شدد على ضرورة حصرية السلاح بيد الدولة، وحين رفض منطق “المغامرات”، كان يضع توصيفًا واضحًا لوظيفة هذا السلاح. وظيفة لم تعد مرتبطة بالدفاع عن لبنان، بل بمشروع أوسع يتجاوز حدوده.
ومن هنا، تتبدى الحقيقة التي حاول قولها بلباقة دبلوماسية: أن إيران ليست في وارد الدفاع عن أي مكوّن لبناني بقدر ما هي في وارد استخدام لبنان ضمن استراتيجيتها. والدليل ليس نظريًا، بل ماثل في النتائج. المناطق التي يُفترض أنها محمية كانت الأكثر تضررًا، والبيئة التي قيل إنها مستفيدة دفعت الثمن الأكبر.
في مقابل هذا الواقع، قدّم سلام طرحًا بسيطًا في شكله، عميقًا في مضمونه: العودة إلى الدولة. ليس كشعار، بل كخيار وحيد. قال إن مرجعية اللبنانيين يجب أن تكون الدولة اللبنانية، لأن أي بديل عن ذلك ليس إلا وهمًا جُرّب سابقًا وكلف لبنان الكثير.
وهنا، يتحول كلامه من موقف حكومي إلى دعوة سياسية وأخلاقية في آن واحد. دعوة للبنانيين كي يحددوا موقعهم بوضوح: هل يريدون دولة فعلية بقرار واحد، أم استمرار العيش في ظل توازنات هشة تُبقي البلد ساحة مفتوحة؟
في النهاية، لم يكن نواف سلام ثوريًا في أسلوبه، لكنه كان كذلك في مضمونه. قال ما يعرفه كثيرون، لكنه قاله من موقع المسؤولية. قال إن لبنان ليس ساحة، وليس منصة، وليس ورقة تفاوض في يد أحد. قال إن كرامة الدولة تبدأ من احتكارها للقرار، وإن أي شيء أقل من ذلك ليس دولة.
ويبقى السؤال، بعد كل هذا الوضوح: هل اللبنانيون مستعدون أن يسمعوا ما قيل… وأن يتصرفوا على أساسه؟
بقلم ندين المصري
صحفية في قناة العربية
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
3/23/2026 9:45:00 AM
هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم نيسان/أبريل بنسبة 5 بالمئة إلى 4347 دولاراً.
اسرائيليات
3/21/2026 10:54:00 PM
ضربة صاروخية على عراد: أكثر من 120 مصابًا وانهيار مبانٍ ومخاوف من عالقين تحت الأنقاض
اسرائيليات
3/22/2026 1:59:00 PM
ذكر سلاح الجو أنّه حتى الآن تم إطلاق أكثر من 400 صاروخ باليستي نحو إسرائيل.
لبنان
3/22/2026 2:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي هدّد بتدمير الجسر... فما أهميّته لجنوب لبنان؟
نبض