التحول في القرار السياسي... من هيبة الخطاب اللبناني إلى تأثير الدعاية الخارجية
ماري جوزيه يعقوب
صدق الفيلسوف جبران خليل جبران عندما قال: "أوليس من العارعليهما أن يتقاتلا وهذا الجوالواسع كافٍ لكليهما ليعيشا متسالمين؟" (جبران خليل جبران 1920). اليوم، أصبح هذا القول واقعاً يعيشه لبنان بين صراع طرفين: "حزب الله" وإسرائيل. ففي خضم التداعيات السياسية المُعاشة جراء هذا النزاع، يبقى السؤال الأهم: أين الخطابات المحلية الجامعة من توحيد شعبٍ يتميز بالتعددية وتباين الهويات؟ وكيف يُشكّل الخطاب الحالي الصادر من جهةٍ غير لبنانية حاجزاً نفسياً وصُدُقيةً معززَّة لدى اللبنانيين؟
تشهد السياسة المحلية اليوم ضعفاً في فاعلية الخطاب الهادفة الى تشكيل أرضيةٍ جامعة موحَّدة. والسبب واحد: غياب الإرادة السياسية وفقدان السيادة. يتجسد غياب هذا القرار عندما يقف مسؤول أمام الشاشات ويقرأ خطابه كأنّ المكتوب على تلك الورقة عقاب فُرِضَ عليه.
دور اللغة الجامعة في خلال الأزمات
تحتاج المجتمعات التعددية كلبنان إلى خطابٍ جامع يتميز بلغةٍ وطنية موحدة، فيساهم في تعزيز الانفتاح الثقافي وما تسمى "الذات المتعددة الثقافة". فبحسب نظرية الهوية الإجتماعية، تؤدي اللغة الموحدة دوراً مهماً في الانخراط داخل مجتمعٍ متعددٍ ما يضعف الفوارق ويكسر الحواجز بين "نحن " و"هم ".
ووفقاً لدراسةٍ أُجريت عن آثار اللغة الموحدة على مجتمعٍ متعدد الثقافة، تُقلّل اللغة الوطنية الشعور بالعدائية فيصبح الخطاب وسيلةً للاستقرار الأمني ويُبعد الاشتباكات الداخلية بين ثقافةٍ وأخرى Gary Sun, M Reiterer
5022 . وإذا عادت بنا عقارب الساعة إلى "السنين الذهبية" للفكر السياسي، فنلاحظ أن خطابات القادة اللبنانيين تمثّلت بلغةٍ لبنانية شعبوية جامعة. فخطاب الرئيس بشير الجميل في 12 نيسان 1979 يُشدّد على ضرورة الثبات والاستقرار في الوطن، تعزيز القضية اللبنانية والاعتراف بالتعددية الطائفية داخل المساحة اللبنانية. بذلك، يؤكد الجميّل على تعزيز الهوية الوطنية لدى اللبنانيين مهما كانت اختلافاتهم السياسية والمذهبية
(Bachir Gemayel Archive Collection, 1979).
الدعاية الإسرائيلية وأثرها على الداخل اللبناني
نلاحظ في المجتمع اللبناني اليوم تأثُّر جمهور واسع بالخطاب الخارجي، ولا سيما منه الإسرائيلي. فقد كشف تقرير لمؤسسة "مهارات" عن استهداف الدعاية الإسرائيلية شريحةً واسعة من اللبنانيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي. مع غياب وزارة الإعلام وفقدان المؤسسات الرسمية قدرتها على بسط سلطتها، استفاد الإعلام العبري من تعزيز تأثيره في الإقناع وشنّ الحرب النفسية على اللبنانيين من خلال نشر البيانات والتصريحات عبر وسائل الإعلام. ولا يزال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي السابق أفيخاي أدرعي يتفاعل مع اللبنانيين عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي ويؤثر فيهم. فمنهم من يؤيده ومنهم من يعارضه. بحسب التقرير، تبدّل التحول في الاستراتيجيات العسكرية وازدادت السيطرة على الحرب النفسية ونقل المعلومات. بالإضافة إلى ذلك، يوضح التقرير الأساليب المعتمدة لتعزيز الدعاية، المس بالعواطف واستخدام عباراتٍ للدفاع عن النفس. على سبيل المثال "الطرف الآخر وحده مسؤول عن نشوب الحرب" و"هذه الحرب ليست لمصالح شخصية" و"نريد الدفاع عن أنفسنا" ("مهارات" 2024) . على سبيل المقارنة، منشورات أدرعي على "إكس" و"يوتيوب" تتضمن كلماتٍ تحمل في مخابئها القلق، التأهب والآمال الخاطئة: "جيش الدفاع لا ينوي المساس بكم"، "إنذار عاجل"، "إنتبهوا"، "عمليتنا ليست ضد الشعب". بناءً عليه، يُشكّل ضعف القرار الداخلي ساحةً رقمية لقوى أجنبية لكسب صدقية الشعب اللبناني الذي فقد ثقته بالمواقف المحلية. إذن، الاحتلال والسيطرة لا يقتصران على المَيدان فحسب، بل يتجاوزان أرض الواقع ليدخلا إلى أعماق مواطني أرضٍ أهملتهم شعارات الديموقراطية والكرامة.
بين الحرب الأهلية وحرب "حزب الله"- إسرائيل، هوةٌ في القرار والفكر السياسيَّين. فالخطاب ليس مجرد مصطلحاتٍ وعبارات تخرج من مسؤول، إنما هو سيف ذو حدّين: إما أن يبني جسوراً تعزز التعددية والوطنية وإما أن يبني جداراً فيخلق انقساماً بين شريحةٍ مؤيدة وأخرى معارضة. فهل تصبح مواقع التواصل يوماً ما أداةً للحوار البنّاء وقبول الآخر بدلًا من زرع القلق وتحفيز الدعاية السياسية؟
نبض